Visite nocturne !

 

على مروج أغسطس,لمحت الرجل الذي كان يداعب السنابل,ويخفي ألحان البليل بقلبه و عينيه. كان منتصب القامة,شائب الشعر,مرير النظرة,ثقيل الخطوة,مترددا في قطف سنبلة تخضع لبنانه المكسوة بخدوش بالية,يكلمها بلغة الملامح وكأنه كان يسرد لها طريقه التي سلكها,و يفضح حدسه أن الليل يتلفظ أنفاسه ما قبل الأخيرة هذه الأيام. ثم ينتقل بكفه الى زهور وليدة,ينظرها صامتا وهو يرسم من بعيد   صورا بسواد عينيه على جنبات عسلوجها الرقيق,قيقطفها راميا بها على ساحل الجدول الذي   كان يفصلني عنه  .

لم أكن شجاعا لكي أظهر أمامه,و لا صبورا عن   الاستطلاع لأعرف هويته,لكنه كان حزما و هو ينظر السنبلة المرتاحة على ساحل النهر اذ   همس بصوته الخفيف: يا أنت   !! أخرج فان   السنابل نبأتني بحضورك  أول ما خطر ببالي أنه   جني يسكن الغاب,فأزلت قناع أوراق اللوز,و دنوت أنظره ملبيا طلبه قارئا اياه السلام   بتمتمة خائفة بائنة, لكنه و ببسمة علقها على شفتيه المائلتين الى الحمرة,أذاب الخوف   الذي تدفق بين ضلوعي,  و قال: من أنت سيدي ؟

قلت-بابتسامة مترددة-: سيدك؟  

قال: و ابن سيدي   ,

قلت: -بحكمة أردت بها أن أضاهي حكمته تواضعك غمر   أيها الغريب-, من أنت؟

قال: أنا ... - فضحك دون قهقهة تفشي   أضراسه  -

قلت: -سريعا-, نعم أنت  .

قال :أنا من سألك الأول,فمن أنت؟

قلت: -وأنا معجب باحترافه في الحوار- أنا شاعر أزور   غابات الأرض  .

قال: و أنا غابة أحضن شعراء الأرض  .

ثم مد كفه الي بعناية و اصطحبني الى كوخهةو هو يخطو   على مهلةحدق بظلي برهة و قال: ما اسمك ؟

قلت: اسمي أيوب و يدعونني بالمعتوه المجنون  

فابتسم على استدارة النون بين أسناني, و قال: و بم   تود أن أناديك أنا يا صديقي؟

قلت -غير ابها بسؤاله-: نادني كما تشاء,لكن قلي,ما   اسمك أنت؟

قال -بعد أن التفت الى عيناي مبحرا في عمق سوادهما  -: لا أحمل اسما يا أيوب ,لكن أمي حكت لي أنني ولدت بين ثنايا الحب و خبايا   الزمان   

قلت: حقا أراك غريبا يا سيدي,فلباسك غير لباس   العالمين ,و حكمتك مختلفة عن حكمة الاخرين , فما سرك أيها الغريب ؟و ما قصتك؟  

فاذا بحمامة بيضاء ملطخة بالحبر الأسود تحط على كتفه   و كأنها ما فتئت تنتظر قدومه من نزهته الوردية السنبلية الى كوخ صغير نحت في بطن   صخرة رمادية كبيرة ,تربط بين سجام النهر و أشجار الصفصاف المطرزة تحت مزن أسود غاضب   , حتى اذا خطى خطوة الى بوابة الكوخ أشار الي قائلا تفضل ,فدخلت و قد انتابني الهام   غريب أن أردد قصائد الشاعر جبران خليل جبران,فقد وجدت المكان الصغير في حضن جو   جميل,و على جنبات الكهف ورود تبعثرت قربها بقايا شموع صهباء,يظهر أنها كانت تضيئ   صورا مائلة على عسلوج مقطوف شاحب اللون,و اذا بي و قد أمعنت النظر,أجد الصور لشعراء   أتذكر منهم ( أبو الطيب المتنبي,أبو نواس,الخنساء,أبو العلاء المعري,عنترة ابن   شداد,جبران خليل جبران,و مجنون ليلى ...),كل الصور كانت في قد واحد, و على نمارق   بيضاء اصطفت على زربية غطت بساط المكان, و عيون الشعراء تتجه ناظرة الى أكاليل   حمراء تعلقت على جدران الكهف البالية. فاذا به يوقظني من سامتي و قد جلس في مكان   محايد و هو يدعوني الى الرقود قربه, فجلست و بدأنا نتبادل أطراف الكلام على نخب   عصير اللوز, فطلب مني أن ألقي قصيدة لعله بها يرفع عن روحي تلك الأستار القليلة   الباقية, ثم سحت أتلو و هو مبتسم يحرك رأسه تحتا,و يكمش حاجبيه الأسودين  , فسألته و قد أنهيت البيت الأخير:هل تحب الشعر؟  

قال-مبتسما-: لا  ..

قلت: و لمذا ؟

-فضحك بحكمة من حكمته البليغة-,و قال: لأنني لا أودأن أكون من الذين يحبون أنفسهم

ثم أخد اكليلا من وراءه و علقه على عنقي, في اللحظةالتي كنت مستغربا لغرابة هذا الغريب الذي يعيش وحده في هذه الغابة البعيدة,و يلبسوحدته بكل ما يتعلق بالشعر مع أنه لا يحبه,

فقلت: كيف أنك لا تود أن تكون ممن يحبون أنفسهم لذلكلا تحب الشعر و تعشق الشعراء و سماعه, --فدنى مني- و قال: لأنني أنا الشعر,و أمي هيلغة الضاد التي هجرتني منذ أن شيعت جنازة هؤلاء الشعراء

فبدأت أمسح سفح عيني بطية سبابتي و ألمس ملامح وجههببطء,مستمعا منصتا الى صمته و بسمته اللذين كانا ينتران ألحانا مضمخة بالجمال والخيال.  حتى اذا عانقته,و جدت أصحابي و أحدهم يهز كتفي و يقول: قم !! قم يا أيوب, فقد حان دورك أن تقصد لنا منقصيدك, و ويحك أنهيت لنا كل قنينات خمر هذه الليلة.


        

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×