Par: Med El fechtali


رجـل نحـوي

التقطته كاميرا المهرجان نائما خلال أغلب الجلسات. ما وقع حقيقة هو عكس ذلك تماما. كان الرجل منحشرا في مقعد وطيء، مسبل الجفون طيلة الوقت، كمن يحلم، كمن يلتذ بالسماع والغفوة تتناوبه. إلا أنه بين الحين والآخر ترتج أذناه، ثم ينخطف جسده المترهل، كأن تيار كهرباء يصعقه. يحدث ذلك كلما دوى خطأ لغوي عبر الميكروفون في أرجاء القاعة. إنه رجل نحوي فطر على حراسة حركة الحروف في الهواء.

 

البطــن

لا يظهر له أثر إلا في مطعم المهرجان. عند كل وجبة يجيء مضطرم الشهية. سعته نادرا ما تضاهى. يجلس إلى المائدة. يأكل ويأكل حتى التخمة ويزيد. لما ينتهي يسأل من حوله من المشاركين عن النشاط الموالي، ثم يختفي. في اليوم الختامي اصطحب بطونا عزيزة عليه، تشبهه في الحجم والكتلة. هي نسخ منه. تحلقت البطون العظمى حول كعكة الختام الفضلى.

قيل أن هذا البطن مولع بإقامة علاقات المودة مع البطون الكبرى.

 

دواء الكئيـب

بالصدفة دلف إلى قاعة المهرجان. اتخذ مكانه آخر الصفوف. حامت حوله كلمات ندية، سخية، رحوم. خالجته. اندغمت في خلده. استرخى في جلسته، أشدت خاطره أصوات الشعراء وهي تعلو وتخفق، كما الموج تنكسر تماما، ثم تعيد الكرة الإيقاعية. أخذت تقاسيم سأمه تلين، تنبسط وترق. أثمرت أخيرا عن بسمة ضافية لذتها عميقة، فانفجر منه صوت حماسي خطف انتباه الحاضرين: وجدتها. هنا وجدتها!

كصيد صدفة في يوم سعيد اكتشف هذا الرجل الكئيب دواء بالمجان. بمشيئة الصدفة وهبته الكلمات إكسيرها الشروب. غسل درن أغواره كفاتحة البرء من مرض عضال أرقه، وظل بسببه يتوافد على طبيب نفساني بدون جدوى.

صارت الكلمات تسوغ وجوده، فقرر ألا يفلت فرص استحمام الروح في نهر الشعر والشعراء.

محــاســب

طيلة أيام المهرجان وهو مقعد في مكتب بالإدارة، يحسب المصاريف، ويوزعها على الفواتير. يفرغ جيوب الميزانية عن آخرها، ينشرها على قوائم، ويمسكها بفاتورات الصرف. يبرر الصغيرة والكبيرة في معادلة عسيرة، مطلوبة في شرع كل محاسبة.

لما أنهك في موازنة الحسابات بلا نهاية، رن هاتف يقول: دعها تسير. دعها تمر

غريبـة الشـاعـر

عند القيلولة عاد لغرفته في الفندق. نام نومة ازدهاء استعدادا لإنشاده الشعري في جلسة المساء؛ حتى يكون متألقا كعادته. في الخامسة مساء تيقظ صافي الروح. حلق ذقنه. تطيب. ارتدى أبهى حلله، وغادر. لما وصل إلى القاعة في الوقت المحدد حسب البرنامج؛ وجدها تصطخب بموسيقى الراي الجديد، والشبان والشابات يتقطرون عرقا. أجسادهم توغلت في حمى الرقص. أجساد رشيقة  ترقص بحرارة وجنون. أحس الشاعر بغربة، بغصة، بغبن، بنقمة، باختناق. استفسر شابا حليقا، يتلوى رقصا، فأجاب :  

الجمهور-أخويا-طالب بالراي، فأحضره الرئيس في رمشة عين. الانتخابات على الأبواب...

حيـوانـات

جل نخب الحيوان كانت ممثلة في تلك المأدبة الليلية. مشوية ومقلية، مبخرة ومحشوة، مفرومة ومطحونة. لما وزعها فتيان "التريتور" على الموائد، لم يتناولها أحد من المدعوين في المهرجان، وإنما أخذوا يضربون بالملاعق على الصحون في إيقاع متكرر، ويحتجون: « Les salades. Les salades » .

 لقد كانوا جميعا نباتيين.

 

مكلـف بمهمـة

كلفوه بمهمة خاصة في المهرجان. كلفوه أن يكون حارسا لكلام الآخرين. استطلع ما يتداول ويقال، وما لا يقال. استجلى ما يهجس ويستشف. تابع الأعمال. جالس جماعات المشاركين. تنصت عليهم هامس بعضهم. ودون معلوماته استجابة للمهمة التي كلف بها من طرف رئيسه.  في الأخير قيد ما يلي في تقريره:

الصمت كان سيدهم. لم يتكلم أحد. لم يكن هناك حوار ولا جدال. لا أحد قال شيئا. ابتلعهم زمن صامت، اللهم إذا كان صمتهم حديثا.

ختم تقريره. وقعه، ووضعه جانبا، ثم انبرى يكتب في عجالة قصيدة عنت له. كتبها دفعة واحدة، وقام يطلب بها المشاركة فورا في المهرجان...فلم لا يكون مثل صديقه عبد الجواد أهلا للمشاركة، سريع الخاطرة، فاعلا ولو أنه لا يكتب شعرا، بل تتفتق قريحته فقط بالمناسبة. يرنو لاستعلاء المنبر، وحنجرته ممدودة تتوسل بجراحات قديمة...؟ !

 

كـومـبارس

قريبا من المنصة. في مقدمة الصفوف. في صدرها تحديدا يجلس جلسته الرسمية. يصغي تماما لما ينقال في كل جلسة، ولا يسمع شعرا ولا سردا. كان شغله الشاغل أن يتيح للكاميرامان أفضل الأوضاع لالتقاط صور لحضوره اللافت في فيلم المهرجان.

أما في خطة المخرج كان مجرد كومبارس.

 

متطـفــل

امتطى قطارا سريعا. قطع به مدنا عديدة إلى أن حل بالمدينة حيث المهرجان. قصد على التو نزل المدعوين. حجز غرفته، ثم سار إلى المطعم. بعد الغذاء استعطف المشاركين واحدا واحدا. يريد أن يقرأ قصيدة في المهرجان. من أجل رغبة جامحة كهاته تجشم مشاق السفر، كما يقولون. لذلك لم يحرموه... استمعوا إليه... بعد أن أتم ومضته الأخيرة؛ قفز ملتولبا في حركة محتدة. غالبه فرح عارم نشوة طافحة. رمى الميكروفون أرضا، وارتمى مترنح الروح على خضير الحديقة. عيون الحضور كانت تلتهمه. الأيدي تصفق، والوجوه منذهلة.

هذا الرجل لم يدعه أو يستضفه أحد. وعلى الرغم فقد أصر على حيازة وثيقة تسمى شهادة المشاركة.

 

غريبة القاص

الصمت يعم القاعة، والسرد ينهمر كشلال. فيوضه تتوالى في مدارات، تتشظى شذرات ونثارات في شغاف القلوب الحاضرة بكثافة... فجأة وقفت من وسط الجلوس امرأة أربعينية، ذاوية ومتأججة، ملتاعة سافرة. ربما هي زهرة العانس. انتصبت كمدية حادة قطعت بالمرة حبل السرد. استكان القاص الوديع، بينما هي تحمحم وتصيح: (... كفى من الكذوب. وقف. علاش كتكذب. علاش كتكتب علي ديما. كتعاود حياتي، وتنشرها في الكتب وفي الجرائد والمجلات. كتفضحني. حرام عليك. حرام. الله يتولاك ...).

       تلافيا للضوضاء أخرجها المنظمون- بعد أخذ ورد- من القاعة... طفا توجس، إبهام، ذهول على الحضور؛ في حين طفق القاص وجلا يسترد أنفاسه... استعاد ما أمكن توازن صوته، واستأنف ترحلات سروده، وهو يمطرها دعاء :

 الله يشافيها. الله يشافيها.

 

بـيــان

في متم كل نشاط يأتي. يقف جانب الباب المشرع، ويبدأ يوزع بياناته على الخارجين من قاعة المهرجان. ظن البعض أنه سياسي محترف، أو نقابي يختار بدقة الأوقات المناسبة لتوزيع منشوراته.

جاء مطلع بيانه الحالي كالتالي: قاطعوا المهرجانات. إنها مضيعة للمال والوقت.

هذا الرجل حرموه من المشاركة في الدورة الجارية.

 

قرص المهرجان

في مسك الختام ضاع القرص المدمج الخاص بالفيلم التسجيلي لنشاطات المهرجان. ألح مطالبون بالبحث عنه في الأرشيف. قالوا لهم: لا يوجد بتاتا. بلا شك أنهم أتلفوه عنوة، كما يتلفون توصيات كل دورة، كي لا تلزمهم في شيء.

ما الحجة إذن على أن ما سلف حدث فعلا إبان المهرجان؟!

 

1 vote. Moyenne 5.00 sur 5.

Commentaires (2)

1. عبد القادر غروس 23/09/2010

مزيدا من الإبداع يا أخ محمد ومزيدا من الألق في دنيا الكتابه عن دنيا التي تعرف كيف تصورها بقلمك الذي لا يخذلك.
أخوك غروس

2. Karima zouitni 07/07/2010

هههههههههه فعلا تمتلك يا أستاذ موهبة رائعة في الكتابة.. لقد راقتني كثيرا المشاهد التي صورتها في هذه القصص القصيرة جدا لكنها تحمل معان و حكم كبيرة

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×