Par: Jalal zin El abidine / Faculté des lettres (Fès Saîs)


لعبت تازة بفضل موقعها كصلة وصل بين الشرق والغرب دورا كبيرا في صنع الأحداث السياسية والعسكرية لتاريخ المغرب، فموقعها المحصن طبيعيا وقربها من مجموعات قبلية شديدة المراس، جعل منها بؤرة ساخنة على مر تاريخها، وقاعدة عسكرية مفضلة من لدن كل الدول.وقد حظيت مدينة تازة على عهد الدولة الموحدية بأهمية كبيرة على عكس المرابطين الذين كانت بالنسبة لهم محطة مؤقتة في إطار إستراتيجيتهم العسكرية.

فالموحدون أدركوا عكس أسلافهم أهمية ممر تازة وجعلوا منه قاعدة عسكرية، فقد استولى عبد المومن الموحدي سنة 1132م على تازة، وشعر بأهمية الإحتفاظ بهذا الموقع من الناحية العسكرية، سيما وأن شيخه ابن تومرت كان قد نبهه في مناسبتين بأن يتذكر هذا الموضع، فشيد حصنا زوده بالجند وجعله رباطا لجيشه ومنطلقا لجل الحملات التي وجهها لبلاد الريف والمغرب الشرقي، فحلت تازة لمدة طويلة محل تينمل التي أصبحت متطرفة بعد أن اتسعت أملاك الموحدين في المغرب ولم تعد تشغل إلا الموضع الثاني من حيث الأهمية، فعبد عبد المومن بعد سيطرته على المدينة كان قد باشر بناء الأسوار نظرا للأهمية العسكرية التي أعطيت لها خلال هذه الفترة، إلا أن مختلف المصادر اختلفت حول تحديد تاريخ دقيق لبناء الأسوار. ولم يكتف الموحدون ببناء التحصينات العسكرية والأمنية، بل أرادوا أن يرقوا بالمدينة من حصن عسكري إلى مدينة قائمة الذات، فأعطى عبد المومن أوامره لبناء المسجد الأعظم الذي أصبح من أهم المعالم في الغرب الإسلامي. وهكذا يمكن القول، إن رباط تازة اتخذ في عهد الموحدين طابع المدينة المحصنة والتي اكتملت أهميتها عندما أكمل أبو يوسف يعقوب سنة 1172م بناء أسوارها. أما على مستوى امتداد المدينة فإنها شهدت في العهد الموحدي امتدادا نحو الجهة الجنوبية نظرا للإنبساط الذي يطبع طبوغرافيتها في هذا الإتجاه، عكس الواجهة الشمالية التي تطل على منحدرات قوية غير صالحة للتعمير.

وإجمالا يمكن القول، إن تازة حظيت بعناية كبيرة طوال العهد الموحدي، هذه العناية لم تكن ترجع لأهميتها في شبكة المواصلات الموحدية فحسب، ولكن لأن تازة والقبائل المجاورة لها كانت من المناطق التي ساهمت بقسط في الحركة الموحدية، كما تقلد أبناءها مناصب في جهاز الدولة، فعبد الله بن يعلا الزناتي من أهل تازة والمعروف بابن ملوية كان من اهل الجماعة (الموحدية) العشرة، وعيسى بن عمران التازي كان قاضيا للسلطان أبو يعقوب يوسف، والأكثر من ذلك نجد "ملوك" الموحدين يعينون أقربائهم عمالا عليها، لذلك فليس من الغريب أن نجد أحد الثوار (مرزذع الصنهاجي) ينكل بأهل تازة جراء ولائهم المطلق للسلطة الموحدية، ففي سنة 1164م استولى عليها (تازة) مرزذع وهو من "صنهاجة مفتاح" "وقتل بها خلقا كثيرا وسبى النساء والأطفال\"، أو نجد سكان تازة متمسكين بالحكم الموحدي حتى مع بداية انهياره وظهور بني مرين سنة 1217م إذ "زحف الأمير عبد الحق (المريني) بجيوش بني مرين إلى رباط تازة فوقف بإزاء زيتونها فخرج لحربه عاملها في جيش كثيف من الموحدين والعرب والحشود من قبائل التسول ومكناسة وغيرهم، فقتل العامل وهزم جيشه وجمع الأمير عبد الحق الأسلاب والخيل والسلاح".

ولعل رخاء مدينة تازة استمر في الفترة المرينية* أكثر مما كان عليه على عهد الموحدين، فتازة كانت قاعدة انطلقت منها السلطة المرينية عندما بدأت تنهار الدولة الموحدية، ثم نقطة ارتكز عليها المرينيون في مواجهتهم لبني عبد الواد بتلمسان، فمنها كان يشن يعقوب بن عبد الحق المريني حملاته على غريمه يغمراسن بن زيان (العبد الوادي)، هذا الأخير الذي استغل وفاة أبو بكر المريني وحاول الزحف نحو تازة والسيطرة عليها، لكن يعقوب المريني كان له بالمرصاد فهزمه في كلدمان قرب تازة سنة 1259م.

وقد ظلت (تازة) قاعدة عسكرية لسلاطين بني مرين اللاحقين في مواجهة كل الثائرين أو لتوجيه حملة على الشرق، كما كانت قاعدة لإنطلاق عدد من الحملات الجهادية، إذ يذكر صاحب روض القرطاس أن السلطان يعقوب المريني انطلق سنة 1260م من تازة لجهاد النصارى الذين كانوا قد استولوا على سلا.

وهكذا كان لتازة زهاء قرنين حظوة من الجانب الإستراتيجي، فقد اختارها أقوى سلاطين هذه الدولة (يعقوب بن عبد الحق) قاعدة لسلطته خلال فترات طويلة، أو كان سلاطين بنو مرين يعهدون إلى أقاربهم بتسيير شؤونها، حيث "كانت مدينة تازة دائما من نصيب ثاني أبناء ملك فاس، إقطاعا له ليتخذها دار مقامه".

وعلاوة على الأدوار العسكرية والسياسية التي لعبتها المدينة خلال حكم بني مرين، فقد شهدت أيضا نشاطا عمرانيا غير مسبق، "فبنى الملوك بها دار الإمارة والمساجد والمدارس والزوايا والحمامات والفنادق (...) وجلبوا إليها كل نفيس من الصنائع وزينوا جدرانها بكل بديع من الزخرف"، بالإضافة إلى توسيع المسجد الأعظم الذي كان له أثر كبير في الحياة الفكرية والثقافية في المغرب كله، ولما فرغوا من توسيعه علقوا به ثريا كبيرة تعتبر من أشهر الثريا في العالم الإسلامي والتي قال عنها الإسحاقي "يضرب بها المثل في قلة النظير، ويذكر الناس أنها لا شبيه لها في الثريا (...) يتعجب الناظر من هيئة الثريا وتماسكها، بها مكتوب:

يا نـاظـرا في جـمالي حـقـق النظـرا

ومـتـع الطـرف فـي حـسنـي الذي بـهرا

أنـا الثـريـا التـي تـازا بـها افتخرت

عـلى الـبـلاد فـما مـثلي الـزمان يرى

فأصبحت تازة بذلك في مقدمة "القواعد الثقافية الكبرى بالمغرب مثل فاس وسبتة ومراكش وسلا ومكناس (...) بل كما رأيناه مثلا بالنسبة للقاضي عياض الذي اضطهده الموحدون (...) والذي وجدنا خزانة المسجد الأعظم بتازة تنشأ برسم حفظ كتابه "الشفا". 

وعموما يمكن القول، إن مدينة تازة عرفت في العهد المريني أعظم فتراتها، حيث ظلت قطبا سياسيا وعسكريا مهما إضافة إلى إشعاعها الثقافي والعلمي، لكن هذه الوضعية سرعان ما ستتغير بعد ضعف بني مرين، حيث ستفقد المدينة البعض من أدوارها.

--

الباحث جلال زين العابدين


المصادر و المراجع المعتمدة

- ابن أبي زرع (علي)، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور، الرباط، 1972

- ابن خلدون (عبد الرحمان)، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 7، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى،

- كربخال (مارمول)، إفريقيا، ترجمة مجموعة من المؤلفين، ج 2. دار النشر المعرفة، الرباط، 1988-1989.

- مجهول، الإستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1985

- الناصري (أحمد بن خالد)، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج 3 و، دار الكتاب، البيضاء، 1997.

- سالم (عبد العزيز)، المغرب الكبير، ج 2، دار النهضة العربية، بيروت، 1981

- الموذن (عبد الرحمان)، البوادي المغربية قبل الإستعمار قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 25. 1995

- مهداوي (عبد الواحد)، إستراتيجية وتهيئة وإنقاذ المدن العتيقة بالمغرب خلال القرن 20: حالة مدينة تازة، رسالة لنيل د.د.ع.م في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس 2000/2001.

- بن منصور (عبد الوهاب)، مع جلالة الملك الحسن الثاني في فاس وتازة ووجدة وتلمسان، المطبعة الملكية، الرباط، 1970

- التازي (عبد الهادي)، "في تاريخ تازة"، مجلة دعوة الحق، العدد 241، مطبعة فضالة، المحمدية، 1984.

 

11 votes. Moyenne 4.27 sur 5.

Commentaires (16)

1. jalal 31/03/2013

اتركي عنوانك الالكتروني

2. fatima zahra 03/03/2013

3afak hada howa lmsn dyali jawabni f a9rab wa9t lah ihafdak

3. fatima zahra 03/03/2013

salam afak ila kan momkin tfidni f taza brite 3liha ma3lomate bzf ila kan momkin

4. jalal zine el abidine (site web) 30/07/2012

أختي فايزة
أني في الخدمة، اتوفر على وثائق ومعطيات مهمة حول التوسع المجالي لمدينة تازة على عهد الحماية، وخاصة ظروف إنشاء المدينة الجديدة والأحياء الصفيحية مثل دوار بيت غلام وحي الكوشة، ثم مختلف تصاميم التهيئة الحضرية التي عرفتها المدينة انطلاقا من سنة 1919.

5. نورالدين البوزرازي (site web) 11/07/2012

اظن ان مدينة تازة تحتاج الى الحفاظ على معالمها الاثرية التي هي مهددة بالطمس و الاهمال و اكثصر ما تجد حديثا عن عظمة تازة التاريخية لكن قلما تجد دلائل حية على الواقع
و شخصيا من المحبين على الااطلاع على تاريخ تازة مند الطفولة و لدي بغض الاسرار حول تاريخها و وجودها و كدلك الااماكن التي كانت تشهد حيوية قبل العصر الحديث

6. فايزة تزرة (site web) 30/05/2012

شكرا على اهتمامكم بتاريخ مدينة تازة العالمية،انا اقوم ببحث اجازة حول الابعاد الاجتماعية التحولات المجالية عاى عهد الحماية لتازة ووجدت صعوبة في ايجاد المراجع واتمنى منكم مساعدتي وساكون شاكرة وممتنة

7. فايزة تزرة (site web) 30/05/2012

شكرا على اهتمامكم بتاريخ مدينة تازة العالمية،انا اقوم ببحث اجازة حول الابعاد الاجتماعية التحولات المجالية عاى عهد الحماية لتازة ووجدت صعوبة في ايجاد المراجع واتمنى منكم مساعدتي وساكون شاكرة وممتنة

8. jalal zine el abidine 30/07/2011

إلى الغيور
كان عليك يا زميلي أن تستحيي بدل أن تقذف الناس بالباطل وتتهمهم بالسرقة وعدم الرجوع إلى هذه المصادر الموجودة في كل المكتبات المغربية.وأتمنى أن ترحع إليها أنت لتعرف تاريخ مدينتك جيدا .أما أنا فلم أغرف منها إلا النزر اليسير .وإذا أردت أن أزودك بها أو بمعلومات تهم مدينتك تازة من الفترة الرومانية إلى سنة 1956 تاريخ نهاية الحماية الفرنسية.فأنا على أتم الاستعداد.
.

9. youssef zarhouni 30/07/2011

عمل يستحق الشكر.شكرا لك

10. hamid 30/07/2011

عمل جيد ينم عن المعرفة التاريخية للباحث وعن رصانته.ولا أرى فيه أية سرقة،عكس ما علق به بعض الكسالى الذين لا يجيدون سوى رمي الناس بالباطل

11. ali 16/07/2011

عمل مسروق

12. غيور 09/07/2011

ما أنت الا لص والبحث العلمي بعيد عنك كل البعد اما المصادر التي ذكرتها فلا اظنك رجعت الله يلعن اللي مايحشم لأحد منها

13. MAFTAH 16/06/2011

merci

14. 20/09/2010

merci pour le sujet!!

15. jalal zine el abidine 10/06/2010

شكرا على تعليقك والذي يدل على حبك لتازة وتاريخها،اعدك بمزيد من المساهمات

16. عبد الله بوريابة 09/06/2010

دراسة قيمة.. كنا فعلا في أمس الحاجة إليها.. حبذا لو أضفتم لنا دراسات أخرى و مقالات حول تاريخ مدينة تازة المنسي.. شكرا للأستاذ زين العابدين

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

        

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×