Par: Jalal Tazi


    أنا سعيدة ... سعيدة إلى درجة لا توصف ... في السابعة من عمري وجدت نفسي طفلة صغيرة، يتيمة لا أب ولا أم ولا بيت ولا ... ولا ... ولا أي شيء... مجرد ملابس ممزقة قديمة ألبسها ... وشعري منكوش ... لا أعرف من أين أتيت ولا إلى أين أنا ذاهبة، فقط كنت أحس بالسعادة  لم أكن أدري من أين كنت أتتني بكل تلك السعادة... كنت أجري وأقفز وأينما  أتاني الليل أنام... وقد تجود علي إحدى العائلات بعشاء فاخر ... من فضلات مائدتهم أو ببعض النقود ... وفي مرات عديدة كانت تجرحني بعض الكلمات وقد تضطرني لأن أبكي للحظات ... ثم أنسى وأضحك ... كان يقال لي مثلا : " امشي أيتها الجربانة من هنا " ... أو  " ابحثي عن أمك بعيدا  يا بنت الحرام " ... لم أكن أعرف وقتها لماذا تقال لي مثل هذه الكلمات ؟ ولا حتى  ماذا تعني بنت الحرام ؟ ... في يوم قررت أن أذهب بعيدا ... وذهبت فعلا ... ذهبت إلى حي من الأحياء التي تتوسط المدينة.. هناك اكتشفت عالما آخر ... اكتشفت أنني لست وحدي، وجدت عالما من الصبيان يعيشون مثلي، وما كانوا ليقبلوا بانضمامي إليهم بسهولة، كان أول شيء صادفني معهم هو أنهم وقفوا صفا واحدا في طريقي، وهم ينظرون إلي في نظرات أوحت لي بخوف شديد... وحاولت اجتنابهم ولكنهم ضيقوا علي الخناق ... ووجه إلي الحديث كبيرهم :

- ماذا تفعلين هنا ؟ ...

- نفس ما تفعلونه أنتم ...

- وما شأنك بما نفعله نحن ؟ ... هذا حينا ... نحن فقط.

- الرصيف ليس ملكا لأحد...

    وهنا أشار لعصابته، فأشبعوني ركلا ورفسا وجروني  إلى خارج ذلك الحي ورموني رمية الكلاب، ولم أصرخ ولم أبكي، فقط بدأت أتحسس بعض  الكدمات على وجهي ولمست خيطا رفيعا من الدم تدفق من أنفي وفي نفس الوقت بدأت تتساقط قطرات المطر، ورأيت من بعيد وقد غابت الشمس، " أولاد علي " هكذا كانوا يسمون أنفسهم مجموعة من الأطفال المشردين ... يجرون ويختبئون من المطر في خربة بعيدة وقد أشعلوا نارا، ولم أفكر في الذهاب إليهم فيكفيني ما نلته منهم ، وفي تلك الأثناء سمعت صوت عجلات سيارة تحتلك بالرصيف المقابل وعندما حاولت الالتفات اصطدم رأسي بعمود النور وأغمي علي ... ولم أعد أدري كم مر علي من الوقت هكذا إلى أن استيقظت ووجدت نفسي وسط " أولاد علي " وقرب النار، وقمت أحاول الفرار إلا أنني تراجعت عن محاولتي لأنني وجدت نفسي تحت الغطاء عارية تماما، ووجه إلي رئيسهم الكلام :

    - لقد اضطررنا إلى أن ننزع عنك ثيابك فقد كانت كلها مبللة ... المهم ما اسمك ؟

    - ليلى ...

    - من الآن فصاعدا اسمك هو ليندا ...

- ومن أعطاك الحق في أن تعطيني مثل هذا الاسم ؟ أو حتى تغير اسمي ؟ ...

وهنا وقف وقفة واحدة، وقال :

- اسمعي، أمامك حل من اثنين إما أن تنضمي  إلينا، أو ترحلي بعيدا ... وفي حالة ما إذا كنت ستبقي معنا  فيجب أن تعرفي أنني أنا الزعيم هنا ... ما رأيك ؟ ...

- اسم ليندا اسم جميل، سأحتفظ به ...

    وكان هذا كافيا لأن يعرف أنني قبلت الانضمام إليهم، وعندها عرفني على باقي " أولاد علي "...

- أنا اسمي سمكة... والفيل هناك ... وهذا شوشن... والآخر زراف و ... وكلنا " أولاد علي " يعني أولاد الشارع ... وهناك خيل إلي أنني أعيش السعادة الحقيقية...

    تعلمت لغة الشارع، تعلمت أن أسرق، تعلمت أن أسب وأن أتعارك، وكل " أولاد علي " يحبونني وأنا أيضا أحبهم  كانوا هم أسرتي، وكان أبي هو الشارع وأمي هي الخربة، بيتنا هو الرصيف ... وبقي هناك مشكل وحيد، هو أنني فتاة ... وكلهم أولاد وسني 13 سنة، وكانت تظهر على جسدي أشياء كانت غريبة بالنسبة لي، ثم أصبحت أحب أن ألتصق بسمكة أو بأحد " أولاد علي "...

    وفي يوم... اغتصبت ... اغتصبني سمكة، ولم أغضب، كنت أعرف أن هذا سيحدث عاجلا أم آجلا... ولكن للأسف لم تكن تلك هي النهاية، بل كانت البداية ... بداية شقائي ...

    رجعت في يوم إلى الخربة ومعي بعض ما جمعته، وكان كل " أولاد علي " مجتمعين فيما عداي، وأخرجت العشاء وطلبت منهم أن يأكلوا ... ولم يجبني أحد، فقط سمكة قال :

- كلي أنت يا ليندا ...

ولم أبالي .. وأكلت ... وبعدها أخرج لي سمكة ثيابا جميلة، قلت :

- الله ... جميلة يا سمكة ... من أين سرقتها ؟ ... هل سرقتها لي ؟...

    ولم يجبني أحد ... وفهمت ... فهمت كل شيء ومزقت الثياب، مزقتها في وجههم، لقد اكتشفوا مني مصدرا أكثر ربحا، لقد أرادوا المتاجرة في لحمي، وذهبت غاضبة ... ونمت، وفي الصباح هربت ... هربت بعيدا عن " أولاد علي" ... لم يعد لدي مكان بينهم ... لقد حرمت من السعادة ... وكان سني عندها 16 سنة  وكلي أنوثة، كنت كاملة النضج... وسافرت ... سافرت بعيدا، وكانت المدينة التي استقبلتني هي " كازابلانكا "... وجدت نفسي غريبة عن هذا العالم الجديد، وجدت نفسي عاجزة عن العيش... عاجزة عن إيجاد لقمة واحدة، وصبرت طيلة يومين وبعدها لم أجد بدا من أن أبيع جسدي ... وحتى هذا لم أعرف كيف أمارسه، وجلست على الرصيف إلى أن أتى بجانبي أحد السياح وجلس أيضا على الرصيف رغم ملابسه الأنيقة في نظري ونظر إلي نظرة طويلة فهمت مغزاها وقلت :

- هه ... ماذا تريد ؟..

وأجابني في مكر :

- أريدك...

وقلت في سذاجة :

- هيا بنا ..

    وذهبنا إلى أحد الفنادق، ودخلنا إلى الغرفة ... وبدأت أنزع ثيابي...، إلا أنه نهرني وقال :

- أنا لا أريد جسدك...

- وماذا تريد إذن ؟

    قال :

- أريد... أريد حياتك... من أنت ؟ ... كيف وصلت إلى هذه الحالة ؟ ... وحكيت له ... حكيت له كل شيء... وبعدها لم يمنعه هذا من تذوق جسدي، أنا أيضا كنت في حاجة لأن أعطي جسدي لأي كان..

5 votes. Moyenne 5.00 sur 5.

Commentaires (7)

1. ليالي المحرق 19/08/2010

جلال التازي

قصة وان كانت مختلفة في الكلمات والاسلوب ولكنها تحمل نفس منهجية الادباء الكبار بتحدثهم عن ابناء الشوارع ,,


قرأتها واعجبت بها فقط تقبل مروري هنا
ليالي المحرق
كاتبة واديبة

2. عبد الحق 07/08/2010

القاص الرائع تازي .. تحية طيبة انا قلت غزارة في المعنى وارتقاء الى المضمون.. رغم قلة جمل النص،وهذا ما يعطي جماليه للكلمة ..أسلوب محبب في الكتابه ..تحياتي لك ونحو مزيد من التألق.. قصتك القصيرة معبرة و ذات معنى
عبد الحق

3. nesma 28/07/2010

assi anwar ymken nta makataaref walou aala alkitaba walibdaa koun chefti nnase ach kayktbou msamyine rashoume koutabe wmoualifine.... koun koulti aala twaza chihaja waara... hada maymnaache tktabe chi nakde lhade lkissa wlli katbha...

4. med saad 20/07/2010

قصة مثيرة مقتطفة من الواقع... لكن، الخاتمة مازالت تحتاج الى لمسات لتذوق مرارة تلك الحياة الشئيمة..، تحياتي الخالصة للأستاذ جلال تازي

5. MARWAN 20/07/2010

WA NOD HAD TAZA KULHA WALATE IBDA3..MA3ANDEK WALOU .............

6. anwar 18/07/2010

kont kantmana nkra kisa lakini ada3to lwakatfi la chaya

7. Ouassima 15/07/2010

قصة جيدة من صلب الواقع.. تحياتي للأستاذ جلال

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site