Par: Dr. Med El maadi


الصوت وصداه.

تتميز تجربة "سراب السنين" للشاعر والفنان التشكيلي "محمد شهيد" بانفتاحها على مسندين تعبيريين اثنين: مسند الشعــــــــر ومسند التشكيل، حيث يتحول العمل بهذا الدال الفني المتعدد،إلى كتابة مضاعــــفة تستدعي بالمقابل تلقيا مضاعفا،يراهن من أجل استكناه خصوصية هذه التجربة الفردية التي يجـــمع فيهــــــــا الباث المنتج بين الشعــر والرسم،على إيواليتين نقديتين اثنتين: إيوالية خاصة بتحليل الشعـر،وإيوالية أخــــرى مرتبطة بما هــــو بصري تستدعيه الدوال والأيقونات الفنية على امتداد قصائد ولوحات الديــــوان. وهكــــــذا فإن القارئ لهذه التجربة الفنية،سيجد نفسه أمام ثلاثة متون نصية لفظية و أخـرى غير لفظية:متن الشعر،ومتن التشكيل ثم متن ثالث يرتبط أساسا بالاشتغال على هذا المتن الذي بدت ملامحه الفنية واضحة في الديوان من خلال تقنيات الإسقاط والتقطيع والكولاج.. التي حاولت إعادة إنتــاج المضــامين الدلالية والفنية لهذا العمل الفني الموازي لمتن الشعر…

- متن التشكيل:الخلفية والتصور.

يتكون المسند الفني داخل هذه التجربة، من اثنتي عشر لوحات تشكيلية يعرضها الشاعروالفنان شهيد موازية لقولـــــــه الشعري على امتداد صفحات الديوان،وهو مسند فني تشخيصي، تنقل من خلاله الذات المبدعة إحساسها البصــــري بالمكـــان الهارب الذي يتبدى في اللوحة الفنية على شكل مشاهد طبيعية، وأخــــرى عمــــرانية شاخــت بفعـــل الهروب والرحيل،حيث الأطـــلال والرسوم والأبـــواب الساقطـــــة والمفتوحـــة،وحيث العتمة واختراق الخضرة لهذه الأطلال المتداعية.. كل هذا من أجل أن يصور المبدع إحساســـه الحاد بهذا المكان،ويبرز معاناته الشديدة في التعبير عن تحولاته من خلال تبئير تأثير عنصر الزمن في هذا المكــــان ، وهـو أمرلافت في كل لوحاته،يذكرنا ذلك بأعمال( كلود مونيه 1840- 1926) الذي كــان أكثــــر الرسامين الانطباعيين انفعالا بهذا المكون الجوهري في الرسم. وهكذا تقترب التجربة الفنية داخل هذا الديوان، من حيث خلفيتها النظرية من أسلوب الانطباعية الجديدة التي اشتهرت بمفهوم  الـــــــذي سـاد في أعمـــال الانطباعيين الجـدد أمثال ( جورج سورا 1853- 1891)،   pointillisme

و(بــول سينياك 1863- 1935)، وهو أسلـــــوب يستخدم فيه الفنان البقع اللونية المتجاورة التي يشكل نسيجها المتلاحم، نسيج الصــــورة داخــــل الإطار من خلال تقنية تفتيت المشهد المرئي، إلى نقط لونية دقيقة ومتجانسة تتحول إلى خلايا نووية لهذا المشهد الذي لا يمكن تحيين ملامحه الفنية كلوحة، إلا من خلال فعل الرؤية والمشاهدة البانيتين.

- متن الشعر والتشكيل: اللغوي والأيقوني.

تنفتح الكتابة الشعرية منذ البداية على المحو والسراب، والرحيل، والضياع..تتغنى بالموت المطبق الذي يستطيل مداه عبر قصائد الديوان الذي يتكون من ستة عشر قصيدة...                                          

العناوين هي الأخرى تثير الإدهــــــاش والذهـــول، تفتك بانتظارات القراء.. تنطلق من التمسك بقبس الأعــــــالي/ سمــاء العودة،ذلك أن العــودة إلى المنبع لن تكون حقيقية على مسرح الواقع الضائع،وإنما ستنطلــق من الأعلى المقدس/ السماء، من الروحي..من الذات المتشوفة..من الباقي المطمور في الداخل الـــــذي لم تمسسه رياح السموم..فالعودة إذا: وجدان فردي يتلألأ صبيبه الشفيف في الداخل الغائر الذي

لازال يحتفظ بطفولة الرؤيا الفريدة..

 القصيد أيضــــــــا،نبش في طفولة مشتركة بين الصوت وصداه،وتظل اللحظة الشعرية، استعادة كلية لتفاصيل المكان والزمان،حفرا في طفولة هذا الصدى الذي لايزال صبيبه المتدفق ينعش البقاء بعد هذه الرحلة القاسية التي غيبت الصوت.. ويغـــــــــدو الصدى ذكرى لهذا الرحيل، وتتحول القصيدة الى مسند حقيقي للنبش في ذاكرة المكان، حفرا في صنمية المواجع والفقدان، يقول من قصيدة " سماء العودة". 

فجأة يا سليل                                                                              

البراري وهضاب الصهيل                                                              

أضرمت في                                                                            

حنين الماضي المشتهى

نثرت في صدري أريج السماء

ورحيق الأرض..

فتحت شرفات لضيائي

المفتقد،و أمطرتني

حبا وشوقا في عز الجفاف.

اللوحات الفنية تحضر داخل الديوان بكامل كمالها الفني،توازي القول الشعري وجها لوجه، ثم

سرعـــان ما يندفع الشاعر إلى تجزيئ مكوناتها الأيقونية عبر أشكال و أحجام ومقاسات هندسية محددة بوعـي فني واضـح، تتراوح على مسند العرض بين الاستطالة،والتربيع، وسعة السمك، أو انحساره..ينتقيها بعنايـة شديدة ليوزعها على بياض القصيدة بهندسة جمالية حالمة، يكتب عوالمها من جديد ضمن لعـبة الصـوت وصداه: القصيدة التي تتحول صوتا،واللوحة صدى من أجل محاولة القبض على كنه اللحظة الهاربة، والمكان الذي شرده الإخوة. يقول من نفس القصيدة:            

قاس هو الوقت الرديء يا صاحبي

معتم وبارد..

يشرد الأنبياء

يمسح ذاكرة الأشياء

فهل ندري؟

هل نعلم يوما؟

أن الكون يهتز فرحا

حين يبكي الشعراء.

    

وهكــذا تتفجر تضاعيف اللوحة الفنيةبأبعادها الحالمة،يشتغل عليها الفنان التشكيلي وفق مقاسات عنــف اللحظة الهاربة، تستظل فيها السهوب بفتوة الأشجار المتكاثفة، أو تترامى داخلها الأشجار لتغطي الخضـــرة عقم السهوب،وليطل الفراغ الموحش تأبيدا عنيفا تتسيد داخله المراثي الضاجة بالألم.

وتتسيد الأطلال أيضا، وقد تحولت أحجارا موحشة تعزف سمفونية التلاشي والضياع...المكان خال من الحيــاة،إذ لا وجود للأحياء سوى هذه الأشجار الواقفة التي تحولت إلى هامات و أشباح...هذا المكان الذي تحولـت أحجاره إلى مـا يشبه حيوانات حجرية نائمة..الأشجار أشباح شاهدة على هذا التلاشي المميت، والمكــان بلونه الترابـي لم يعد يحمل إلا بصمات هذا الضياع....ثم يوزع الفنان التشكيلي فضـاء اللوحة على مشاهد القصيدة عبر آلية التقطيع والكولاج والمونطاج السينمائي، وقد تحولت الأشجــار فــي النص حلما نديا يتخذ منه الشاعر فضاء لهذا التذكر،تذكر المكان بلوحاته الموحشة التي لا تطاق..

اللون حاضـر أيضـــا داخل المسند بجرعاته القاتمة التي تسيل على مسند الصورة كالصبيب الحارق...هذا ما تبقى من الذاكرة الموشومة بالسواد والقتامة الذين يبدوان غريبين عن هذا النزوع الانطباعي الذي تنحدر منه هذه التجربة،وهو نزوع فني تخلى فيه الانطباعيون عن السواد بحثا عن النور... وإلى جانب هذه القتامــة التي تلبست الكثير من لوحات الديوان،تفجرت في آخر لوحة من المسند،الألـوان الصارخة التـي تلتهب مـن تجاويف اللاشعور وهي تشبه إلى حد كبير الهواجس والكوابيس التي تذكرنا بوحشية غوخ.                                                               

هكذا اذن تتحدد مكونـات اللوحة الانطباعية داخل هذه التجربة على المستوى التيمي والفني، من خلال اللعب على المتخيل والحدوس الباطنية، حيث تتحــرك العين الداخلية لترى العالـم،وتحدد ما ينقصه،فتحــاول رتق هــذا النقص اعتبارا من داخلية الرؤية التي تنطلق منها الكتابة داخل هذه التجربة.

        

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×