Par: Abdelkader Ould Chrifa


إن أول ما يقف عنده المتتبع لمسار وحصيلة الممارسة العملية للحركة الجمعوية، محليا وطنيا هو تطورها الكمي،وتوسعها في مجالات اشتغالها، بحيث يتداخل فيها المعطى الاجتماعي والثقافي والرياضي والتربوي والتنموي ... مما يحتم علينا مساءلة هذا التطور والتوسع، هل هو تعبير عن تحولات المجتمع وتغير خصوصياته وإحتياجاته و تساؤلاته؟ أم هو تعبير عفوي مزاجي تتحكم فيه اعتبارات أخرى في قطيعة تامة مع المحيط ؟ ومشروعية هذا التساؤل تنبع من طبيعة العمل الجمعوي، باعتباره رافدا من روافد العمل الجماهيري، وحقلا للتأطير،غايته مساعدة الفرد والجماعة على امتلاك الميكانيزمات الأساسية للاندماج الإيجابي داخل المجتمع، والفعل فيه في إتجاه تجميع شروط التغيير.

هذا ما يثير جملة من الأسئلة نصوغها على الشكل التالي : إلى أي حد استطاعت الحركة الجمعوية أن تجسد على أرض الواقع تطلعات المجتمع ؟ وما هي الصعوبات و المعيقات التي تحول بينها وبين تحقيق ما هو منتظر منها ؟ و كيف السبيل إلى تجاوزها ؟

ولمقاربة الحركة الجمعوية مقاربة موضوعية نقدية مجردة من كل الخلفيات، سوف نحاول الإجابة على بعض الأسئلة، بشيء من التركيز من خلال مطلبين : المطلب الأول سنتناول فيه واقع الحركة الجمعوية ومعيقاتها أما المطلب الثاني : سوف نتحدث فيه عن المرتكزات التي تضمن لنا كسب رهان حركة جمعوية فاعلة .

 

المطلب الاول : واقع الحركة الجمعوية و معيقاتها:

إن التطورات المتسارعة التي تشهدها الحركة الجمعوية، وتأثيراتها العرضية على المجتمع أصبحت تستدعي منا التأمل العميق، في واقع العمل الجمعوي محليا ووطنيا، والذي من أبرز سماته واقع جمعوي مجزأ بين عدة إطارات، لها نفس المبادئ والأهداف العامة، دون أي تأثير فاعل في الواقع باستثناء بعض ردود الفعل الجانبية من أجل الدلالة على التواجد، من خلال أنشطة عابرة، تأثيرها لا يتجاوز الظرفية العامة التي تنظم في إطارها، على خلاف ما هو مفروض بأن تأتي كحصيلة لتراكم، وتتويج لمسار طويل من مجهودات الأعضاء والأطر, كما أن أغلب الجمعيات يعتريها قدر كبير من الغموض، رغم التسميات التي تتخذها، والأفكار العامة الواردة في القوانين الأساسية التي تؤطرها، إلا أنها لا توضح لنا الخلفيات الحقيقية لتأسيسها، وطبيعة مهامها مما يجعل الأفكار والبرامج تتشابه، إما عن طريق الاستنساخ و التكرار الفج لبعض الأنشطة، في تعطيل تام ﻹعمال العقل في الفعل الجمعوي، والابتعاد عن الواقع مما يفقد الحركة الجمعوية حس المبادرة، ويجعلها متماهية مع الخيارات الجاهزة وحبيسة المبادرات الحكومية القائمة على التمويل العام، والقصد هنا ليس معارضة هذه المبادرات باعتبارها تصب في خدمة الصالح العام، ولكن بلورة ذلك انطلاقا من قدرة الجمعيات على تشخيص الأولويات، وصياغتها كمشاريع، عوض الدخول كأدوات تنفيذية فقط، ناهيك عن غياب برامج تأطيرية داخلية و دائمة مضبوطة بشكل دقيق وعلمي, ومستجيبة لاحتياجات الأعضاء، من أجل تأهيلهم ليكونوا قادرين على التفاعل الايجابي و النقدي في المجتمع، هذا بالإضافة إلى غياب الديمقراطية الداخلية، مما يؤدي ﺇلى عدم فهم الأدوار في التنظيم، وقيام الصراعات على المسؤوليات.

 

 ويبقى بيت القصيد والمؤدي إلى مجمل المظاهر السابقة في الفعل الجمعوي، هو افتقار أغلب الجمعيات إلى إستراتيجية واضحة ومحددة الأهداف، ومؤسسة على حمولة فكرية تكون هي المتحكم في تخطيطها العمودي أو الأفقي، مما يكرس واقع جمعوي قوته اﻹقترا حية ضعيفة، وعاجزة عن التأثير في مراكز القرار حيال القضايا المتبناة من طرفه.

من خلال هذا التشخيص المتواضع لواقع الحركة الجمعوية، نستنتج أنها تعاني من غموض في كثير من جوانبها، ويعترض سبيلها جملة من المعيقات، قد يساعد الكشف عن أسبابها على تجاوزها، وتمكين الحركة الجمعوية من رسم خارطة طريق، تحدد أسس الممارسة الجمعوية الفاعلة والقادرة على تحقيق اﻹضافة النوعية، بالبحث عن مداخل جديدة لانعتاق العمل الجمعوي من اﻹشكالات التي تطوقه.

 

المطلب الثاني :أسس الحركة الجمعوية الفاعلة:

أمام التحديات التي أصبحت تفرضها التحولات الاجتماعية و الفكرية، محليا و وطني،ا ومن أجل تسريع وتيرة إنتاج الشروط الموضوعية لعملية التنمية الاقتصادية، و اﻹجتماعية، و الثقافية أصبح لزاما على الفاعلين الجمعويين تقييم ومراجعة منهجية الاشتغال، و ﺁليات التواصل المعتمدة في تنفيذ البرامج، و ترجمة الرؤية و الرسالة على ارض الواقع، من اجل العمل على صياغة وتبني المحددات القادرة على ضمان كسب رهان تأسيس حركة  جمعوية فاعلة، على مستوى التأطير، و التأثير، و صنع التغيير، و ذلك من خلال ما يلي :

  

1-    مسائلة الذات الجمعوية :

عن طريق تقييم ومراجعة الاختيارات التنشيطية، و التنظيمية، باعتبار الحركة الجمعوية اقتحمت جميع المجالات، مما يحتم عليها تبني تصور يتجاوز دور التنشيط، ويؤسس لفعل منخرط في حركة مواطنة تعكس دور الحركة الجمعوية، كقوة اقتراحيه انطلاقا من سبر أغوار الذات الجمعوية، من اجل صياغة الحاجيات القائمة على القرب من الاهتمامات المجتمعية، بغية ترسيخ قيم المواطنة في جانبها النوعي المعبر عن الهوية الواعية، وهذا لا يستقيم إلا بطرح سؤال من نحن ؟ وماذا نريد؟

    2- تحديد استراتيجية العمل الجمعوي :

من خلال الوعي بالمنطلقات، والتحديد الدقيق للأهداف، عن طريق بناء أرضية و مرجعية فكرية للعمل، لها ارتباط بالواقع وبالآليات الاجتماعية   والثقافية و التربوية و اﻹقتصادية المؤطرة له، حتى تتمكن الإطارات الجمعوية من إنجاز برامج دقيقة و مشاريع محددة تتميز بالكفاءة العلمية       ومستجيبة للتطلعات المنتظرة.

العمل على بلورة خطة جمعوية، مؤسسة على الانفتاح على الجمعيات الأخرى، لتوحيد الجهود في أفق صياغة مشروع تنسيقي بين الإطارات الجمعوية، من أجل الدفع ﺇلى تأكيد المطالب وتعزيز مكتسبات الحركة الجمعوية، باعتبار الهدف هو الصالح العام وما الأداة الجمعوية إلا وسيلة لخدمته.

 

3-    دمقرطة التسيير :

مأسسة العلاقة داخل الجمعيات سواء في علاقاتها مع روادها أو العموم، إذ إن حرية العمل الجمعوي لا ترتبط فقط بقوانين ضابطة للعلاقات مع السلطات، والمؤسسات العمومية، ولكن تتأسس على علاقة مبنية على حرية اختيار المسؤولين داخل هياكل الجمعية، دون النزوع إلى الهيمنة بناء على شخصية المسير، أو الزعامة الكاريزمية، أو تحت أي مبرر كان، بل الأمر يتطلب إشراك الجميع في اتخاذ القرار، دون وصاية أو إقصاء مما يؤدي إلى بلورة إدارة قوية ومرنة، وذات رؤية واضحة قائمة على الاحترافية و التدبير بناء على النتائج .

 

4-    الاهتمام بالجانب التأطيري :

باعتبار العمل الجمعوي ميدانا لتحقيق الطموحات في التغيير الاجتماعي، و مجالا لتعلم وممارسة الديمقراطية، واكتساب التجربة والمبادئ في الحياة، وتعلم مهارات الاندماج في المجتمع، أضحت الجمعيات مطالبة بالاهتمام بالجانب التكويني لأطرها، عن طريق صياغة مخطط تكويني يسعى إلى تطوير خبراتهم في القضايا المطروحة، وتجديد أدوات تفكيرهم وقراءتهم للواقع، مما يجعلهم متشبعين بالقيم اﻹنسانية، والوطنية بعيدا عن عقلية تلقين البرنامج السياسي و اﻹستقطاب، مما يفعل دور الحركة الجمعوية في عملية تجديد النخب، و إحداث الحراك الاجتماعي الحقيقي، المبني على الاحترام و حرية الاختيار و التضحية في سبيل قضايا المجتمع، بعيدا عن اﻹنتهازية و النفعية.

هذا دون إغفال أنه يجب على الجمعيات المحافظة على توازنها ومصداقيتها وكيانها، أن تقاوم كل أشكال الإغراء، و لا تخضع لأية أجندة كيفما كانت، من أجل استعادة الثقة التي من دونها لا يمكن الحديث عن أي تطور محتمل للحركة الجمعوية.

 

وخلاصة القول: إن تحقيق هذه المبادئ في المنظومة الجمعوية يصقل كفاءات الأطر العاملة، ويجعلهم قادرين على تقديم ممارسة جمعوية فعالة ونوعية، تساهم في تطوير الحركة الجمعوية، ويعزز دورها كفاعل مساهم في ربط المجتمع بالدولة، لبناء توافق حقيقي حول الأهداف العليا المؤطرة لكل التوجهات و التطلعات المجتمعية .

--

عبد القادر ولد الشريفة

2 votes. Moyenne 5.00 sur 5.

Commentaires (1)

1. RACHID TAZI 18/08/2010

مقال مهم يستحق القراءة أظن مهما تطورت وسائل الاتصال لا شيء يعوض الا تصال المباشر. الدليل انترنت مثلا لا يشفي الغليل كجلسة مقهى مع الا صدقاء. سي ولد شريفة هل شربت حبة الفهامة قبل كتابة هذا المقال(ههههههه)؟

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site