Par: Abdelilah Bessegmare


استراح بعد حمام منعش، بدا واضحا أن العلة تتراجع، ابتسم له الكائن الصغير صاحب الشوك القابع خلف النافذة، صديق الصبا ورفيق النضج، لاحت للقنفذ بسمة أخرى منكسرة، تجمعت صور التلفاز في خيال الشاب، ثم استسلم لغفوة هادئة .دون إشارات من أي نوع بدأ يرسل شخيرا غريبا، تحول إلى حشرجة مزعجة، هرعت إليه صارخة ...الشخير متواصل ...تشنجت الأعضاء، انتفخ الصدر ثم هوى، همد الجسد واستسلم لصمت لا وجيب بعده، بدا لهم أنه راح في غيبوبة سيفيق بعدها لا محالة " الطبيب ..الطبيب" بين تلابيب اللحظة وكثافتها ، لم تلمح هي غير دمعتين انحدرا من عينين شاخصتين، تعالى الصراخ وتعالى النداء " جمال ..جمال" البنت الصغيرة تعبث بدمية صماء لا عمر لها في لا مبالاة طفولية ...               

مددوه على السرير الأبيض ، كل شيء هنا يضج بالبياض : ألوان الحائط – الملاءة – الفراش – رداء الطبيب- الإزار الذي تفوح منه رائحة المستشفيات المقيتة...جسه بحذر ..تدلت نظارته حتى كادت تسقط على الجسد المسجى ، ردها إلى أنفه بحركة آلية ، دعك بأم يديه الصدر الممدد ثم أعاد الكرة . لمس كل الأطراف ..رمى العجوز بنظرة نافذة كسهم قاتل" إذا كنتم تريدون تسهيل إجراءات الدفن وتأبين ابنكم فما عليكم إلا أن تأخذوا جسده حالا" كلام بارد لا يكتنفه أدنى لبس ..ارتمت العجوز صارخة على جثة الشاب ، ضربت وجهها، ثم بحركة صاعقة نتفت شعرات من رأسها ، رفست بأظافر يديها  خدين عبثت بهما مصائب الزمن ...الرحمة تبخرت فجأة من أرجاء الكون ، سالت قطرات حمراء من الخدين المتجعدين..صرخت زوجته وشقت ثوبها ثم هوت مغشيا عليها " لا تتساهل مع المشهد الذبائحي" خاطب ذو الشوك ظله ثم ازداد انكماشا وتقنفذا لكأنه يحتج بطريقته المتميزة ، سارعوا إلى ستر ثديي المرأة وجزء من مؤخرتها ، تركوها تخبط يديها ورجليها بالأرض عبر سمفونية منزاحة عن الجغرافية ترثي لكل  من يدب على الأرض ، عاد عريها فعادوا لسترها.

يتشوك حتى يستحيل إلى هيكل مقرف وهو يطل برأسه الصغير من زاوية  بالمطبخ على الجمع...الأيدي تتشابك... النحيب ونشيد الإنشاد، عليهم أن يسرعوا بإجراءات الدفن قبل أن تفوح رائحة الجثة ، لا سيما والحر اخذ في الارتفاع، تصاعد الإنشاد الجماعي...نغم جنائزي مدمر، عبر تفاصيل النغم ذاته رفع على الأكتاف ، حان النداء الأبدي ، اختلط الموكب : الإنشاد والبكاء إلى لغو مجاني ..خرج الموكب يذرع الطريق المغبرة ...نسائم الند تمتزج بعطر الزهر وروائح العرق، ترامت السمفونية إلى سمع رفيق الشوك، تسلل بين الأرجل والأقدام ، سابق الريح في انتظار رفيق الصبا ،وأخيرا لاحت مدينة الراحلين .. آلاف الإقامات المستطيلة ...لم ينتبه إليه أحد..داهمته خفة روح لا تقاوم ...ضج بالضحك حتى نهاه هاتف داخلي بأنه سلوك لا يليق بالقنافذ في مثل هذه المدارات ، عرف بقية المشوار : حرارة تلفح أديم الأرض ...وضعوا أحجار اللحد على الحفرة المستطيلة ، لكن واحدة منها تدحرجت على الجثة فانهار جزء من تماسك الحفرة ، عليهم أن يعالجوه بشيء من الاسمنت المسلح ، اكتشفوا أن الحفرة المستطيلة ضيقة عند الصدر والبطن " لن نستطيع الانتظار أكثر ..أمامنا عمل متواصل " أشار الحفار محمدين بوتريبة إلى جنازة أخرى قادمة " قف وادفع الجثة إلى تحت" وقف أحدهم على الهيكل الأبيض الممدد وقد تحول بياضه إلى رماد ترابي ، عالج برجليه الجثة نحو الحفرة وبكل قواه ، سمعت قرقرة العظام المسحوقة بالأرض ...ثم امتدت الجثة على طول الحفرة " الحمد لله على السلامة " غمغم الحفار الكهل ببرود جارف ، أهالوا عليه التراب...أدرك صاحب الشوك ...رفيق الصبا هوان العيش وكيف تجني الوالدات على من ولدن ...علق أحد الشحاذين " أنظر هذا هو الحق بعينه ...لماذا لا يتواضع بنو آدم ؟"                                                  

في اليوم التالي زار القنفذ المقام ورأى دم الزوجة هذه المرة يختلط بالدمع ..يمازج تراب القبر...لما عاد إليها الهدوء...أحست براحة شاملة..أخذ صاحب الشوك حفنة صغيرة من التراب ورمى بها إلى الخلف، اختلطت ذراتها بنتوءاته الشوكية ..تفجر فيه ضحك كالبكاء...رفع هامته المتضائلة إلى السماء فوجدها فراغا هائلا وخلاء موحشا، أطرق إلى الأرض فأحس باللهيب يتصاعد كأنه ترجيع لمهزلة أبدية ، قطرات حمراء تندفع من وجنتيها، رجح الكائن المتشوك أنها عضت على لسانها، شعر بها لأول مرة تراه لأول مرة، في نظراتها غرابة وأسئلة،صرخت، ترنحت ثم تهاوت بالطول والعرض، راحت في غيبوبة عميقة ، قسمات سؤال مفتوح ، قوس مجهض ...شيء من حتى ..هجير ذاكرة مهزومة...                               

حب رومانسي ، عشق جارف أثثا عرصات البياض ، وكان القران سدا للقوس الساحر، الزمن الموحش له إيقاع أصم، أنفق السنوات في الدوران بين نتوءات الأطلس وعرصات الريف، يعمل أي شيء لكنه لم يفلح في أي شيء :                                                            

    - أعرف الكثيرين من هؤلاء المحامين أول ما يبدأ يبتسم لك وآخر ما ينتهي يعتدي عليك

- يا جمال إن مشغلي رجل مستقيم ، ثم أتعتقد أننا نمتلك خيارات أخرى ؟ أبقني في عملي سأساعدك على الزمن، صرخ هو ذاهلا : خذي وضعك بالمنزل ...هذا قراري : لا أريد مساعدة ..، أحس بضغط هائل ثم دارت به الأرض .

كان الشقي خاطئا في حسابه ، علق القنفذ الذي أصبح صديقا حميما...غام المشهد من جديد

- أريده فقط ألا يموه علي...أنا صاحب المحل ومن حقي معرفة المدخول والمخروج          

- ليست لك ثقة في أخيك ؟ (...)                                                                    

- لا أثق حتى في ظلي  ، لا تعتقدي يا أماه أن الحياة بسيطة إلى هذه الدرجة                  

* شغلك معه فماذا تنتظر أكثر من ذلك وهو الذي لم يعرفه أحد أيام الصقيع والضياع والزنازن ، إحساس شقي بكرامة ما وسخرة في خدمة الغير                                                  

* تشكك في حجم المداخيل ، وعاب عليك معاملتك الجافة للزبناء ، فما كان منك إلا أن تركت له الجمل بما حمل ، استعطفته العجوز أن يعيدك إلى إدارة المقهى بحق الدم والأخوة والبزولة..أعادك ببرود ...ثم تعقدت الأوضاع من جديد ، فتركت له مقهاه من جديد ونهائيا ثم همت على وجهك  ، قال له الطبيب : ضغطك مرتفع عليك أن ترتاح... ثم حذار من التوتر... غام المشهد للمرة الألف                                                                              

تفتح عينيها بصعوبة ...أشباح وخيالات ...الحر اللعين يتمطط...همسات كائنات آدمية وأصوات حشرات تمنح مدينة الراحلين نكهة ملتبسة ، تنبهت ذاهلة ، العجوز والبنت الصغيرة ...القنفذ وحفار القبور ...تذكرت أوهامها ...صفعها الدمار مجددا راح الحبيب إلى غير رجعة  أحست بصفاء مما ...آلاف الشواهد تمتد منتصبة كالحة ..." قومي يا عزيزتي ....لنعد"               

عاد القنفذ إلى ركنه المفضل قرب المطبخ...تواصل النحيب الصامت ، غاب في تفكير عميق ...سرعان ما غمغم بصوت مسموع إلى شوكه الحميم " كم هي محظوظة فصيلة القنافذ ..." ثم غاب في سبات عميق ن هام في البراري ، لما أخذته الوحشة إلى زاويته الحميمة ، عاد لتغيير شوكه ، فوجئ بنشيد الإنشاد ، بهت للمشهد الممتد كدائرة مقيتة ماذا جرى ؟ ..." استعد للنغم الذبائحي ياذا الشوك الرقيق "                                                                               

تصاعد نشيد الإنشاد ولم يلتفت إليه أحد ، شدت انتباهه مبخرة موضوعة وسط الدار حولها المنشدون يقوسون ظهورهم في حركة عاتية ....قالت له المبخرة " ألا تعلم أيها المشئوم أن نسائم السعادة قد رفرفت حواليها؟ - من ؟ " لم يسمع الجواب ثم جمع شوكه ورحل .

--

 

 



1 vote. Moyenne 5.00 sur 5.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site