Par: Abdelhaq Abouda


كنظيراتها من المدن المغربية ,تلقفت مدينة تازة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بكثير من الترحيب الذي يفتقر إلى التأني والفهم والدراسة,ورأينا الجهات الرسمية كعادتها تتنافس في التطبيل والتزمير والتهليل قبل أن تستوعب روح المبادرة وفلسفتها وإعداد آليات تطبيقها و أجرأتها وربطها بواقع المواطن وتطلعاته,وشاهدنا كيف تبارى المتبارون من أصحاب الأوداج المنتفخة والسناطيح النحاسية في تأسيس جمعيات كلها تهتم بالتنمية البشرية,وكثير منهم قام فقط بتغيير اسم الجمعية وإضافة عبارة التنمية البشرية إلى القانون الأساسي,وكفى الله المؤمنين شر القتال,وأصبحت كل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مقاولات تنموية تدعي العمل على الرقي بالفرد وتحسين أوضاعه.        

 

وقد دخلت الثقافة بدورها على الخط، ووجدناها ترتدي في كل مهرجان أو ملتقى رداء التنمية بعشوائية وغوغائية,وبدل أن يجتهد المثقفون في إيجاد صيغ مناسبة وواقعية لثقافة التنمية,وينخرطوا في تشكيل واقع ثقافي آخر,يتماشى وروح العهد الجديد وينتشل الإنسان من دوامة الخمول والتيه التي يدور فيها,ظلوا عبيدا لمواعد ثقافية موسمية يتحكم فيها سياسيون أميون معظمهم يجهل حتى كتابة أسمه,وهوت قيمة المثقفين إلى الحضيض وأصبحوا مثل تلك الجحافل من حفظة القران الذين يتهافتون على ضحاياهم من زوار القبور للسطو على دريهماتهم,أو يلتقون حول موائد الكسكس عند كل مصيبة ألمت أو فرحة هلت, شفاههم تتحرك بكلمات القران وعيونهم مغروسة في جيوب المدعوين,وكثيرا ما يختصمون حول قسمة المحصول.هذا هو حال الكثيرين من المحسوبين-تجاوزا- على أهل الثقافة,فالمهرجانات بالنسبة إليهم فرصة لحشو البطون واحتساء الكاسات والطاسات والكذب على الناس بعروض يقال عنها-زورا وبهتانا- مسرحية,وكلمات تافهة يدعي أصحابها أنها شعر وهي لا تساوي حتى أكوام الفضلات التي يخرجونها من بطونهم عقب كل وجبة.

 

إن الثقافة يمكن أن تسهم في التنمية الشاملة إذا انتبه المسئولون وأصحاب القرار إلى هذه الأطراف المترامية والمساحات الشاسعة من المنتزهات والمصطافات الطبيعية,وقاموا بهيكلتها وإعدادها والتعريف بها لإنعاش السياحة.ويمكن للعرض المسرحي أن يلعب دوره في خدمة التنمية إذا استطاع أن  يحول القاعات إلى محج لجمهور متعطش للفرجة,وأن يكون سبيله في ذلك نصوص محترمة وممثلون أكفاء، لا أشخاص يقفزون فوق الخشبة,يصرخــون

ويتناقرون كالديكة,وقبل هذا وذاك مخرجون متمكنون ومجددون يؤمنون بالعصر ومتغيراته,لا شيوخ مقوسون,الأنسب لهم أن يذهبوا إلى متاحف النسيان,ويمكن  للنص الشعري أن يلعب دوره كذلك إذا استطاع أن يخز الإنسان في أعماقه ويدفعه إلى مراجعة الذات وتعنيفها,وأن يحيي فيها الهمة والرغبة في التضحية واحترام الآخر والإيمان برسالة المجتمع,آنذاك يكون قد صنع إنسانا يمكن الاطمئنان إليه,وأي تنمية أعظم من تكوين إنسان سوي مفعم بالحيوية والعطاء والكبرياء.                                                                                                                                          

 

لا يمكن أن ينكر ناكر أن مدينة تازة عرفت بعض الومضات الثقافية المشرقة التي أكسبتها مكانة محترمة,كان من أهمها الملتقى الوطني للشعر والأغنية الذي تم إعدامه على عهد المجلس السابق الحالي,وملتقى الفنون التشكيلية التي كانت تنظمه جمعية فضاء المغارات,وأسابيع وملتقيات ثقافية أقامتها مجموعة من الجمعيات مثل منتدى جيل الغد وجمعية الشعلة,ويمكن أن نسجل في هذا الصدد المهرجان الدولي لمسرح الطفل الذي قطع أشواطا مهمة,وهو –على علاته- يبقى محطة مهمة وبادرة طيبة تحسب لوزارة الثقافة.                                                                                           

 

لقد أصيبت الثقافة في مدينة تازة بضربة برد خطيرة,فتخشبت معالمها وتجمدت أوصالها,وتنكر لها أبناؤها إلا النزر القليل,وهم على ندرتهم وتفرقتهم يظلون نجوما تضيء ظلام المدينة وجواهر نفيسة لا يمكن أن يطالها الصدأ.             

فيكفي أن تنظر إلى وجه محمد شهيد لتكتشف هذا الحزن الرهيب وهذا الاحتراق الدائم أسفا على حال المدينة,ويكفي أن تصافح أحمد القاطي لتعرف معنى الصفاء والطيبوبة,ويكفي أن تمر على نصوص امحمد الزروالي لتعرف سر الكبرياء والعزة ,ويكفي أن تجالس محمد الفشتالي-ولو قليلا-لتشعر بعمق الحكمة والرزانة,ويكفي أن تلمح أحمد العشوشي من بعيد لترى إلى أي حد يمكن للصراحة والمجابهة,أن تجعل المثقف النقي هاجسا يخيف ويستفز المنافقين وأصحاب الوجوه المزيفة,ويكفي أن تجادل محمد العلوي الباهي في تاريخ وعراقة تازة لتعرف كيف يمكن لعشق المدينة أن يرفع المرء إلى مقام الأولياء، وحين تتصفح قسمات القاص والروائي العربي الكبير عبد الإله بسكمار تكتشف أن تازة أنجبت أبناء بررة يحفظون العهد ويسندون الظهر إذا دارت الأيام وانقلبت،وعز الأخ والصديق.                                        

إنها أسماء رائعة,وغيرها كثير,أنجبتها مدينة تازة,أعطت للثقافة والإبداع معنى حقيقيا وصورة جميلة....أسماء بحجم البحر والصخر,تبدع لأجل الإنسان والقيم النبيلة,عكس المتثاقفين الذين حولوا الثقافة إلى مومس في خدمة مهرجانات الكاس والطاس,وقانعين بما يملأ البطن ويذهب الفطنة,متهافتين على الفتات وناسين رسالتهم السامية المتمثلة في غرس  الخير والجمال,وخلق حياة أبهى ومجتمع أطهر.                                                                                  

رحم الله شاعرنا القديم الزبرقان بن بدر الذي انتفض وثارت ثائرته حين هجاه الحطيئة قائلا:                                   

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  ***  واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي                                                                    .

إن الأمل معقود اليوم-أكثر من أي وقت-على الشرفاء من مثقفي تازة كي يعيدوا إليها ابتسامتها المغتصبة,ويقنعوا المواطن بأن التنمية إذا لم نحصنها بثقافة الإيمان بالإنسان وحفظ كرامته واحترام اختياراته,فإنها-لا محالة- ستكون تنمية عرجاء وستؤدي إلى تشكيل مجتمع مريض ومشوه الخلقة  والخلق.

--

عبد الحق عبودة.

 

 

 







1 vote. Moyenne 5.00 sur 5.

Commentaires (1)

1. المتنبي 07/07/2010

سنظل دوما أمة متخلفة.. لا نفقه شيئا.. فمن أين لنا بالثقافة و نحن شعوب جاهلة..إذا قمنا بمقارنة بسيطة في مجال ليس بالبعيد عن الثقافة ألا و هو الرياضة فنلاحظ أن شعب الأورغواي كمثال لا يتعدى تعداده الستة ملايين نسمة لكنه حقق الكثير و آخر إنجازاته وصوله لدور الأربعة في كأس العالم الأخيرة .. فأين نحن منهم؟؟ و ماذا فعلنا بملايين بل ملايير من السكان العرب..للأسف لم نجن إلا العار و الخيبة و الفشل.. فلنترك الحديث عن الثقافة و عن الرياضة و لنذهب جميعا للجحيم..لأننا فعلا كما قال الشاعر أمة ضحكت و مازالت تضحك من جهلها الأمم

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×