Education et mobilité sociale au Maroc

سأنطلق من سؤال شبه فلسفي وتاريخي  عن دور التربية في التغيير وهو : » إلى أي حد تستطيع التربية أن تصبح عاملا حاسما لإحداث التغيير في المجتمعات الإنسانية سواء منها المتقدمة أو النامية أو حتى المتخلفة؟   أوبمعنى أوضح هل التربية وحدها كافية لإحداث التغيير المنشود ، أم أن هناك عوامل أخرى تلعب هذا الدور المحوري ، ومنها على الخصوص العامل الديني والعامل الاقتصادي والعامل السياسي؟« 

للتربية في الحركية الاجتماعية بالمغرب مكانة خاصة في الماضي وفي الحاضر لأن  تكون أعلى جهاز في المجتمع وهو الدولة كان بفضل الدور الذي لعبته التربية في ذلك. فإذا كانت الدول المغربية التي تعاقبت على حكم البلاد  عادة ما تتكون نواتها انطلاقا من الزوايا أو من تجمعات دينية ذات صبغة تربوية كما كان الحال بالنسبة لأغلبية الدول التي تعاقبت على حكم المغرب الأقصى كالأدارسة والمرابطين والموحدين والسعديين والعلويين  ، وإذا كنا نعلم بأن هذه التجمعات كانت في نفس الوقت مدارس يقصدها من يريد تعلم شؤون الدين ، وتخرج بالتالي طلبة لهم ارتباط روحي بها، يظهر لنا جليا الدور الذي لعبته التربية في هذا المجال والذي يتميز كما يظهر بكون التربية ، مثل جهاز الدولة تماما، تتخذ صبغة دينية في الدرجة الأولى ولكن سياسية أيضا ، خصوصا إذا عرفنا طبيعة الدين الإسلامي كدين سياسي يجمع بين الدين والدنيا ولم تنحصر يوما  مهمته في الوعظ والإرشاد على غرار أديان سماوية أخرى ارتبط كهنتها وقساوستها بالحياة الأخرى تاركين تصريف شؤون العباد الدنيوية للحكام . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن خصوصية دور العامل التربوي في الحركية الاجتماعية بالمغرب تتسم بتداخل ما هو تربوي بما هو ديني وسياسي إلى درجة التماهي أحيانا ولاسيما إذا أقحم الجانب الديني أيضا  ، ولا ننسى بأن الجماعات الدينية التي أشرنا إليها  كانت بمثابة أحزاب سياسية مثلما كانت مؤسسات تعليمية تتحكم في الحبلين معا وتوظفهما لصالح المشروع السياسي بالأساس.

لقد وصل الاهتمام بالعامل التربوي لدى البعض إلى اعتباره المسؤول الأساسي عن تأخر المجتمع المغربي خاصة والعربي عامة. فبالنسبة للمغرب ينظر إلى فشل البعثة التعليمية التي أرسلها السلطان مولاي الحسن الأول للخارج كسبب رئيسي في ذلك   التأخر.  وإني لأتساءل الآن وبعد مرور ما يربو على قرن من الزمان لو نجحت تلك البعثة العلمية وعادت إلى البلاد تحمل لواء العلم والمعرفة والتطور ، ماذا كان سيكون مصير المغرب؟ ولو أن المستقبل بيد الله،  كانت ستكون الانطلاقة الحقيقية لإحداث التنمية  على كل المستويات على يد أولئك العلماء الشبان الذي رأى المولى الحسن بفكره الثاقب وعزيمته التي لا تلين وشغفه بالعلم إرسالهم إلى أوروبا  التي بلغت آنذاك شأوا بعيدا في مضمار العلوم والتكنولوجيا التي استخدمت بعد ذلك في استعمار الدول المتخلفة لتوسيع مجالها الحيوي ونهب خيرات الشعوب المستضعفة لبناء اقتصادها القوي والمتين.  لو تم ذلك فعلا لكنا اليوم أقرب ما نكون إلى اليابان فكرا وممارسة وسلوكا هذا الشعب الذي استفاد من خبرة أبنائه الذين أرسلهم في بعثات تعليمية إلى دول أوروبا مع انطلاق الثورة الصناعية  في نفس الفترة الزمنية تقريبا للمحاولة المغربية التي لم يكتب لها النجاح لأسباب لا داعي لذكرها.

قلت كان ينظر إلى فشل بعثة المولى الحسن كسبب للتخلف  مثل ما ينظر إلى الخروج عن جادة التربية الإسلامية كمصدر وحيد لتخلف المجتمع العربي الإسلامي ، وهناك وعي أكيد من طرف السلطات المغربية في عهد الحماية بأهمية العامل التربوي في إصلاح المجتمع المغربي ، وما الظهير الذي أصدره المولى محمد بن عبد الله في إصلاح القرويين إلا خير مثال على ذلك.

وفي مرحلة الاستعمار نجد العامل التربوي حاضرا في أذهان المستعمرين والمستعمرين (بفتح الميم) معا كوسيلة للهيمنة وبسط النفوذ والتحكم في المصائر. فبالنسبة للمستعمر لنا في اهتمامه بجامعة القرويين ما يدل على أنه كان يؤمن بقدرة المؤسسة التعليمية العتيقة على تثوير المجتمع وهذا ما لم يكن يرغب فيه بتاتا .

ولقد كان رد الحركة الوطنية في نفس المستوى من الفهم لأهمية العامل التربوي في التغيير. لذلك ليس من الغريب أن يقترن ظهور هذه الحركة بتجديد أساليب التربية والتعليم إن في صورة مطالب تقدم للمستعمر أو في صورة مبادرات خاصة قام بها بعض الوطنيين خارجين بذلك عن السياسة التعليمية السائدة مثلما فعل المرحوم الشيخ محمد بن العربي العلوي والمرحوم الزعيم علال الفاسي .إلا أن الحركة الوطنية أدركت بأن العامل التربوي لا يمكن أن يؤدي دوره إلا في إطار المدارس الحرة نظرا لخضوع المدارس العمومية لمراقبة متشددة من طرف المستعمر الفرنسي الذي أدرك جيدا دور الجامعة والمدرسة في بث روح المقاومة والتصدي للمستعمر  لدى الشعب المغربي، وهذا كان يفزعه ويجعله بالتالي يحصي أنفاس المدرسين والطلبة ويضيق عليهم الخناق في محاولة لصرفهم وإبعادهم عن بث الأفكار التحررية. لذلك ناضلت الحركة الوطنية من أجل انتزاع مكسب تأسيس المدارس الحرة التي تعتبر خير نموذج لتفاعل العامل التربوي والسياسي وحتى الديني  في إطلاق سيرورة المجتمع المغربي.               

إلا أن هذا لا يعني أن الحركة الوطنية لم تساهم في استغلال المدارس العمومية من أجل الثورة على المستعمر . وما مساهمة مدرسة أزرو البربرية الفرنسية وثانوية مولاي إدريس بفاس ومولاي يوسف بالرباط في هذه الثورة إلا دليل قاطع على أن الحركة الوطنية قد أفلحت في التغلغل في شتى المدارس العمومية محولة أقسامها –مثلما حولت أقسام المدارس الحرة- إلى خلايا تربوية سياسية .ومن هنا يمكن الجزم بأن الحركة الوطنية بجميع تمظهراتها وأهدافها وصورها وتكتيكاتها إنما كانت تتغذى بشريا وفكريا من هذه الخلايا نفسها. وسوف لن نحتاج إلى التأكيد بأن كثيرا من المظاهرات والانتفاضات والأحداث التي ساهمت وطنيا في التعجيل بتطور المجتمع المغربي نحو مرحلة الاستقلال إنما يرجع الفضل فيه بالدرجة الأولى  إلى التلاميذ والطلبة والأساتذة الذين كانوا يتابعون دراستهم سواء في المدارس الفرنسية العمومية أو في المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية بتمويل من الوطنيين.

أما في مرحلة الاستقلال فسيكتسي العامل التربوي أهمية أكبر إلى درجة أن بعض رجال السياسة المغاربة كانوا يعتبرون الطلبة طليعة المجتمع الجديد ، وهذا ما عبر عنه بوضوح مشروع طريق الوحدة والأهمية التي كان يحظى بها التنظيم الطلابي والمنظمات الطلابية (ولا يزال الجميع يتذكر رمزية سلطان الطلبة في النسيج الوطني المغربي ) وهذا ما جعل الجامعة المغربية بالخصوص معقلا للكثير من الأفكار التجديدية والتحررية والمتجاوزة أحيانا للأفكار المتداولة في الأوساط المغربية والتي من المفترض بأنها هي المتحكمة رسميا في صيرورة التجديد.

هذا دون أن نشير إلى دور الجامعة في الثورة على بعض التقاليد والقيم التي لها وزنها في المجتمع . كل هذا دفع ببعض المفكرين إلى النظر إلى الطلبة كطبقة جديدة يمكن أن تحل محل الطبقة العاملة خصوصا وأن هذه الأخيرة ضعيفة من حيث الكم والكيف وتصور العمل النقابي الفاعل والمؤثر في مجريات الحركة النضالية التي تروم تغيير الأوضاع الاقتصادية، المعيشية منها على الخصوص، لصالح فئات العمال والطبقة المحرومة بصفة عامة.  إلا أن ذلك كله سيؤكد الواقع خطأه .والمسألة التربوية والتعليمية لها أهميتها في حركية المجتمع المغربي المستقل بحكم أن جل الطبقات الشعبية والمتوسطة تراهن على التعليم كوسيلة للترقي الاجتماعي خصوصا بعد أن تبينت صحة ذلك في السنوات الأولى للاستقلال.لذلك  أصبحت المسألة التعليمية تحضى باهتمام خاص من قبل مختلف القوى الاجتماعية والسياسية الرسمية منها وغير الرسمية إلى درجة أنها أفلحت في تعبئة الجهود الوحدوية في الكثير من المناسبات.

ولا زلت أتذكر إلى اليوم شغف الوالد رحمه الله بإرسالنا – نحن أبناءه الستة- إلى المدارس العمومية المغربية سواء في الحقبة الاستعمارية أو بعد الاستقلال.لقد آمن رحمه الله، وهو الأمي، بأن خلاص أبنائه وضمان مستقبل كريم لهم يمر حتما من التعليم والذي هو البوابة السحرية للترقي الاجتماعي. كان يحثنا على التعلم وبذل المزيد من الجهد أسوة بالفرنسيين الذي كان معجبا بهم وعرفهم عن قرب وعرف منهم أنهم سيرحلون يوما ما وستنتقل مسؤولية تسيير البلاد إلى أيدي أبنائها. كما كان يحذرنا من مغبة الكسل وترك الدراسة لأن ذلك كان يعني شيئا واحدا : الانخراط في مناجم الفحم والموت ببطء بفعل مرض السيليكوز وأمراض اخرى مرتبطة به.  وتحققت نبوءة الوالد بعد تخرجنا من المدارس والتحاقنا لخدمة الوطن كل من موقع وظيفته  والحمد لله على كل حال.

--

 

 


10 votes. Moyenne 4.60 sur 5.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

       

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site