Blonde !

تطرح المجموعة القصصية " الشقراء" للأخ بوشتى بن الطالب ( الصادرة عن مطبعة فاس بريس سنة 2008)أفق انتظار مستمد من بعض مشاهد الحياة اليومية ومفارقات هذا الزمن العولمي اللاهث ، والمثير في تيمات المجموعة أنها تحتفي بالمرأة في مختلف نصوصها مما يعكس هوسا معينا تجاه الجنس الآخر خاصة وأن الكاتب يسطر رؤيته الفنية والفكرية من خارج الجنس اللطيف ، أي كما تتراءى له المرأة عبر بعض جوانب ومتاهات المجتمع المغربي المعاصر ، عناوين النصوص ذاتها تحيل بوضوح على هذا المنحى ( الشقراء – الشقيقتان- العجوز الشمطاء- القاتلة- بهية – بائعة الحطب- رقية- وردة – العرجاء) ويلاحظ أن أغلب الشخوص النسوية في المجموعة تنتمي للمجتمع المغربي وللشرائح الشعبية / السفلية منه خاصة باستثناء نصي "السيدة كاترين" و"السيدة نيتشكوفا"....

ترتبط تيمات المجموعة الفرعية بتيمة كبرى أساسية ما زالت تشكل منبعا للتحولات والأزمات التي عصفت و تعصف بالأفراد والأسر ويتعلق الأمر بمشاكل الجنس المرتبطة دائما بالجسد الأنثوي ولا سيما في مجتمعاتنا التي لم تستطع أن تندمج بنجاح في السيرورة العولمية ولا هي حافظت بانسجام على موروثها الثقافي في مواجهة العولمة الكاسحة...لماذا ترتبط المرأة دوما في المخيال العربي والمغربي بالجنس ؟ انه إشكال عريض لا يتسع المقام لتحليله ...وقد سبق للعديد من الباحثين والباحثات العربيات أن أدلوا بدلوهم في هذا المجال كل من زاوية اهتمامه... وتعتبر المرأة عموما الضحية الأساس بكل ما يترتب عن الممارسات إياها سواء تمت عبر مؤسسة الزواج أو خارجها...إن عزف القاص المتكرر على هذا النغم عن طريق إدانة ضمنية وأحيانا صريحة للمرأة ذاتها رغم أنها الضحية غالبا قد يرسخ هذه الصورة النمطية لأنها - أي المرأة بإطلاق- سريعة الانقياد نحو النزوة تتحكم فيها العواطف الهوجاء والتفنن في الخداع والإيقاع بالرجل (دائما وفق رؤية المجموعة) وهو ما يتضح منذ النص الأول الذي يتمحور حول التقاط فتاة مغربية لفيروس داء فقدان المناعة بعد حمل غير شرعي من طرف أحد العمال المهاجرين والذي فر عائدا بعد ذلك إلى أرض المهجر مما أدى إلى وفاتها تاركة طفلة صغيرة فالنص الثاني المتعلق بخيانة شقيقة زوجة مع زوجها ثم النص الثالث الذي يحكي عن رضيع غير شرعي تبناه أحدهم ليتبين بعد خلاف مع زوجته أن ابنتيه غير شرعيتين وهكذا ينوع الكاتب على نفس التيمة التي تتراوح بين الصراع مع الحماة (" العجوز الشمطاء" وهو من أقوى نصوص المجموعة) وكذا نص " السيدة كاترين" والملفت في هذا القصة خروج تام عن المألوف في تناول موضوع المقاومة المغربية إذ يمتزج هنا البعد الشبقي الحسي المباشر عبر توجه انتقامي واضح من المستعمر الذي اغتصب البلاد واستباح العباد ( مضاجعة كاترين الممرضة بالمستشفى العسكري بباب ودير بطريقة وحشية من طرف عبد الرحمان الوغد المغربي الذي تحول إلى مقاوم بعد أن استولى على مسدس كاترين مع التنصيص على استلذاذ الفتاة الفرنسية بالعملية....( )) ودون النصين الآخرين قوة وإمتاعا نص "القاتلة" المحكوم بقضية انتقام زوجة من امرأة قتلا بعد اتهامها لزوجها بخيانته معها ويعتبر موضوع نص" بهية" مستهلكا ثقافيا وإعلاميا إلى حد بعيد (تهجير الفتيات المغربيات إلى دول الخليج للدعارة بعد النصب عليهن) وكذا زواج الشيوخ بمن دونهم سنا ( بائعة الحطب) وهجرة الفتيات المغربيات إلى فرنسا واقترانهن بشيوخ متقدمين في السن (رقية ) ومن ناحية أخرى فقد توفق الأخ بوشتى في مقاربة أجواء النشل بقبة السوق قلب تازة العليا وما إليها والذي راحت ضحيته الحاجة حسناء المواطنة المغربية التازية العازبة والمسنة والتي كانت بصدد ابتياع بعض حاجيات عيد الأضحى ويتضح النجاح الفعلي للنص إياه في عبارة الختم (ص71 لقد كان خطأها أن مرت بقبة السوق) وعلى العموم فشخصيات المجموعة بسيطة وليس هناك انفتاح كبير في هذا المجال على أي أبعاد ارستقراطية أو بورجوازية بالمفهوم المغربي وهذه الشخصيات سواء الرجالية منها أو النسائية ترزح تحت نير واقع اجتماعي ونفسي مترد ، يعد فضاء مدينة تازة مجاله أو مسرحه الأساس ببعض دروبه العتيقة أو شوارعه أو فضاءاته المتميزة كباب الريح وقبة السوق ويتجلى هذا الواقع في الظروف المعيشية البئيسة كالتعاطي للفلاحة المعاشية أو تربية الأغنام أو التدبير المنزلي ضمن مجال ضعيف وغيرها من الأنشطة البسيطة بالمدينة وبعض الأحواز(طرق وجدة –فاس) مع هيمنة العنف المباشر وغير المباشر بسبب جبروت هذا الواقع وقساوته... الشيء الذي يعبر ويكرس أيضا الصورة الهامشية للإقليم ككل باعتباره من مناطق البلاد التي لم تنل حظها من التنمية قياسا إلى باقي أقاليم المملكة وهو ما يساهم في استفحال الظواهر التي تمثلها الأخ بوشتى سرديا وقصصيا محاولا أن يمزج بين الوصف الحيادي والعياني أيضا والسرد المحكوم بسيرورتي الزمان والمكان (ص  76شقراء كجل الأوربيات ، عيناها البلوريتين يتوقدان توهجا...ويتكرر هذا الوصف في العديد من الحالات) كما وظف القاص تقنيات حديثة لتعزيز دينامية السرد القصصي كالمنولوج الداخلي(ص18 " ما أجملك من صورة ....ص26" فماذا عساه أن يفعل الآن، هل بتسريحها يشفع له في الانتقام منها ؟...) علاوة على الحوار المباشر وغير المباشر وكثير من الأوضاع والمشاهد التي يمكن التقاطها بالعين المجردة أو آلة التصوير على حد سواء يبدو الزمن في المجموعة رتيبا بأبعاده الثلاثة لكن إلى حين تكامل العقدة أو البؤرة القصصية فانه يتجه نحو التبئير النفسي باعتبار المفاجآت التي يحملها للأبطال والشخوص ، ونادرا ما يتصرف فيه القاص بالحذف أو حتى الاسترجاع والتذكر( فلاش باك) وبالتأكيد فالزمن العام يتعلق بمغرب نهاية الألفية الثالثة من خلال نموذج إحدى مدن الهامش (تازة والأحواز) فالكتابة هنا تتعلق بالهامش ( النساء من الوسط الشعبي) تتعمد به وتعود إليه في محاولة ضمنية لخرق الصمت الذي لفه لمدة طويلة ، والمعروف أن الكتابات القصصية التي تمتح من مدن وقرى المغرب النافع قد تناسلت وتكاثرت وتضخمت بشكل لم يسبق له مثيل وأحيانا مبالغ فيه( طنجة – فاس – الدار البيضاء – الرباط- مراكش – تطوان ...) وأعتقد أن الوقت قد حان ليقول الهامش كلمته ...ويبقى السؤال ملحا في ختام هذه القراءة المتواضعة ...لماذا الكتابة عن الأنثى ومن منطلق ذكوري وعبر مجال الهامش المغربي ؟ انه السؤال المشرع على أكثر من إجابة أو أفق انتظار يمكن أن يفتح آفاقا كثيرة أمام القراء والمبدعين المغاربة بمختلف اتجاهاتهم وميولهم.

 

 



5 votes. Moyenne 3.40 sur 5.

Commentaires (1)

1. 23/08/2010

مرحبا بأستاذنا الجليل والروائي العربي المحترم ســــي عبد الإلـــــه...افتقدنا كتاباتك هذه المـــــدة...عودة موفقة إن شاء الله...وتحية للقاص الوديـع سي بوشتى بن الطالب..مزيدا من العطاء

عبد الحق عبودة

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

        

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site