Par: Abdelilah Bessegmare


ما من شك في أن المشهد الثقافي والإعلامي بتازة الحبيبة - على ضعفه في الأصل- أصبح يعيش وضعا لا يسر العدو ولا الصديق ، وضعا أقل ما يقال عنه أنه محزن ومترد ومشروخ ، لا يمكن لأي غيور يتأمل الساحة وما يعج فيها من أطياف ومهازل وصراعات إلا أن يأسف لما آلت إليه الحالة ....معسكرات وجبهات وحروب طاحنة ...إقصاء وإقصاء مضاد... هجوم وهجوم معاكس ...أوهام وخيالات وألعاب أطفال تحولت إلى قضايا مصيرية ...اختلط الحابل بالنابل ...وتدخلت أكثر من جهة لتحول المحاور والمسارات في اتجاهها ونحو مصالحها الضيقة لا سيما على الصعيد الإعلامي ...أما الإعلام الحقيقي حصرا : إعلام التنوير ، إعلام الأجناس النبيلة بتعبير الصحافي المخضرم عبد الكريم الأمراني إعلام المواكبة وصنع الرأي العام ...إعلام المراقبة وتصحيح الأوضاع دون أي حسابات...إعلام الكلمة الحرة فنكاد نجزم أن تازتنا لم تعرف منه إلا لحظات وقبسات هنا وهناك ، لم يكتب لها الاستمرار أو لم يقدر لها أصحاب الحال ذلك الحلم الجميل الذي لم يطل أكثر من بضع سنوات .... لقد سادت التفاهة والسطحية والأمية بأنواعها واقتحم الميدان المتطفلون والأشباه ، لأن الأطفال يتعلمون كما نعلم ( بسكون العين والميم المخففة ) والمبتدئون يصغون لمن سبقهم دراسة وتجربة وفهما لعمق الأشياء وتحولاتها...وليت ذلك فحسب بل تسللت الفيروسات بسهولة عجيبة في غياب المناعة الكافية و بمعزل عن آليات الضبط والتنظيم لشيء ما أصبح مهنة من لا مهنة له (السيبة بمعنى أدق) ...فانهار ما تبقى من قيم وأصبحت السفاهة والتفاهة والصفاقة وقلة الحياء علاوة على اقصر الطرق نحو الارتزاق هي العملات شبه السائدة عبر هذا المشهد الغرائبي ،( نعدد الأخطاء ولا نلوم أحدا بعينه لأن الحديث ذو شجون)...والنتيجة صراعات وحروب لا تنتهي...كلما تحلى الغيورون والحقيقيون بضبط النفس وتغليب مصالح المدينة والإقليم كلما نفثت الفيروسات سمومها كيفما اتفق ، وهدف الزائفين ( ومنهم من انتمى لجماعات أصولية متطرفة فوضعه شبه يائس إذا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه) تخريب كل عمل بناء وكل جهد يبذل في هذا السبيل بل وادعاؤهم الجاهل بأن اليافطة الإعلامية تبدأ وتنتهي عندهم وكأن الأرض خلاء من دونهم فأية صفاقة وقلة حياء؟؟.... يمكن أن نستنتج أي شيء في هذا الزمن الأغبر...حين تعلو فقاعات مثل هؤلاء. لكن الخلاصة المحددة والمجملة دون تفصيل ممل تتمثل في جملة بسيطة "لقد انتهت الصحافة في البلد أو كادت"....وكمل من عندك...

كيف نفسر مرة أخرى هذه الصراعات المستمرة ولصالح من هذا النزيف الداخلي المتواصل ( الغريب أنه يتم على قاعدة هشة قوامها بضعة مراسلين فاعلين و"مدراء" أغلبهم يمارس الصحافة من باب الانتساب كما أن بعضهم نصب نفسه وأحاطها بكل الألقاب وهو بحاجة إلى دروس في قواعد اللغة العربية أقصد في أبسط قواعدها) النزيف الذي لم يسبق أن عرفته المدينة بهذا الحجم وبهذه الحدة وكأننا بصدد أزمة الشرق الأوسط أو إشكالية الاحتباس الحراري أو إحدى مداولات مجلس الأمن الحاسمة؟ كيف يمكن لبعضهم أن يعمق من الشروخ دون أن نطرح نحن السؤال حول الجهة التي يخدمها وأية مرام ضيقة يسعى إليها ؟ ألا يعطي هذا البعض صورة شائهة عن الحقل الإعلامي ومعه المجال الثقافي....الحقيقة أن عدد تماثيل السباع فاق عدد السباع ذاتها.... الوطن يمد يده للجميع لكنه غير مستعد لأن يسلم جسده للفيروسات الضارة التي يمكن أن تصيبه بالأمراض الفتاكة ...هناك دائما فسحة لمراجعة الذات لطرح الأسئلة لتقديم الاعتذار الحضاري أي النقد الذاتي الذي نخال أنه سلوك راق يليق فعلا بالرجال لا الأنذال وبالحقيقيين لا التافهين ...أما منطق الشيفان والكابرانات والبلطجية والشيوخ والمريدين فنعتقد أنه منطق عفا عنه الزمن ، تأملوا معي المثل العالمي الرائع (أمريكي في الأصل والأفكار الرائعة لا وطن لها): " تستطيع أن تكذب على بعض الناس كل الوقت وتستطيع أن تكذب على كل الناس بعض الوقت لكنك لا تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت "...المدينة والإقليم - نعيدها مرة أخرى - بحاجة لجهود الجميع ..لتكاثف كل أبناء المنطقة إقامة أو انتسابا ... نعيدها للمرة الألف : الطموحات المشروعة لا عيب فيها لكن عبر التعاون وخدمة الصالح العام لا نهش البعض للبعض في ما يشبه صراع الجميع ضد الجميع ...والمعول هنا على الغيورين لفضح من تسبب في هذه الصراعات المجانية بشكل أصبح معه العمل الإعلامي مسخرة مضحكة مبكية بعيدا عن المشاكل الملحة والحقيقية للناس والوطن...

في معرض محاولة فهم ما يجري ، لابد أن نحيل مرة أخرى على أطروحات التخلف وبالذات تخلف العنصر البشري عندنا..أحيانا أقول لنفسي : لماذا لا يتم تنظيم دورات تدريبية على الحياة ...على كيفية الحياة والعيش مع الآخرين ، دون إيذائهم والعيش مع الآخرين، دون نهش أعراضهم ...على العيش مع الآخرين وبينهم، دون نفي اختلافهم عنك أو اختلافك عنهم بهذه الدرجة أو تلك...سبق لأحد الباحثين أن علل هزيمة الجانب العربي في حرب يونيو 1967 الشهيرة أو حرب الأيام الستة أمام إسرائيل بفرضية سوسيولوجية مؤداها : ارتفاع درجة العدوانية بين الناس في المجتمعات العربية ، هذا الارتفاع غير العادي انعكس على سلوكات الجنود العرب في المعركة ...فالجندي العربي لم يكن يدافع عن قيمة سامية اسمها الوطن ، بل كان يدافع عن نفسه فقط.. وأي متأمل مرهف الوعي أو الحس لابد أن يسجل صحة ودقة هذه الملاحظة ذات الرجع الواقعي المر فعلا... لنتفق على حد أدنى دون إيذاء بعضنا البعض وإذا استحال ذلك ، ليأخذ كل منا طريقه بعيدا عن  "جرة" الآخر ...لأن آثار الصراع وبلاياه ستصيب الجميع بالتأكيد فقليلا من المسؤولية ياقوم ورحم الله إنسانا عرف قدره وآخر قال خيرا فغنم أو سكت فسلم ...قدم ياصاح ما ينفع الناس أو انسحب إلى منطقة الظل والنسيان فذلك لعمري هو المسار الأفضل في كل الأحوال لتحافظ في الأقل على قيمتك كانسان...

--

        

                           Cliquez ici pour plus de détails !
 

                                   

 

Creer un Forum

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×